الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا. وقرئت: "جميعا منة"، أي من (عليكم بذلك منة). * * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون. و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد). ومن قرأ "منة" وقف على "جميعاً"، ثم ابتدأ "منة" إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى. والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا. ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك. وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين. وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر والقياس. ولم يجز النحويون: "ضُرِبَ الضربُ زيداً" برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد. قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ثم نسخ هذا في "براءة" بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقاله الضحاك. وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩]. وقيل: معنى "لا يرجون أيام الله": لا يخافون البعث. * * * ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له. ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس. ﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل. ﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب. قال مجاهد: "الحكم: اللب". * * * وقوله: ﴿وَٱلنُّبُوَّةَ﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل. * * * ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ﴾، أي: على عالم زمانهم. * * * ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء. * * * ثم قال: ﴿فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل. * * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله. قال ابن عباس: ﴿عَلَىٰ شَرِيعَةٍ﴾: "على هدى من الأمر وبينة". وقال قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي". وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما يدعونك إليه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل. ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. * * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه. (وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه). * * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾، أي: أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين للكبائر. ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: "كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان. * * * ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: "يبعث الناس على ما ماتوا عليه". هذا معنى قراءة من رفع "سواء" فجعله مبتدأ "ومحياهم" خبر، ومماتهم عطف على "محياهم". وإنما حَسُنَ الرفع في "سواء" (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع "سواء" على الابتداء، كما قيل "سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي". وإنما اختير الرفع في "سواء" لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه. ولو كان في موضع "سواء" مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين. ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة. فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها. وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في "نجعلهم". وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب "سوا" على الحال، وينصب "محياهم ومماتهم" على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً. ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. والوقف على "الصالحات" حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع. وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن "محياهم" مرتفع "بسواء". والتمام عند الأخفش: "ومماتهم" وعند غيره "يحكمون". ومعنى "ساء ما يحكمون: "بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه. و "ما" في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة. قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.