الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل. * * * ثم قال: ﴿وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم. وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هَا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ. فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ رِيحاً وَلاَ أَحْسَنُ منك لَفْظاً. فَيقول: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيا، وَإِنِّي أَنَا عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّي وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وَأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: "ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان". قال قتادة: "لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله". وقال ابن جبير: "كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾. قال الحسن: "هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. قال ابن عباس: "أضله الله في سابق علمه". وقال ابن جبير: "أضله على عدم قد علمه منه". وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقيل المعنى: "على علم منه بأن عبادته لا تنفعه". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غطاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده. * * * ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه. ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء. قال قتادة: "هذا قول مشركي العرب". * * * وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا. وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت. وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر. وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان. وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر. وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر. جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي ﷺ عن ذلك. فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه. وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله ﷺ إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت. وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: "ما كان حجتهم" بالرفع. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه. * * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة. والعامل في "يومئذ": "يخسر". وقيل: العامل في "يوم تقوم": "يخسر" و "يومئذ" بدل منه. فيبتدئ بـ "يوم تقوم الساعة". * * * قوله: ﴿يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، أي: يغبن ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول "يخسر" محذوف، وهو المنازل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم. قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما. وعن مجاهد أن "الأمة هنا: الواحد". * * * ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه. قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره. * * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَتْ عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم. وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم. * * * وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتب الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه. قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال ابن عباس: "ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل". وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم". وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة. وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُولٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عِنْدَهُ (فِي الذِّكْرِ). ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.