الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ إلى قوله: ﴿نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾. هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه عند بعض العلماء، ورد ذلك بعضهم قال: هذا يبطله قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾، فقد حقت عليه وعلى أمثاله كلمة العذاب بهذه الآية، وأن عبد الرحمن من أفاضيل المؤمنين. وقال ابن عباس: نزلت في ابن لأبي بكر الصديق قال له: أتعدني أن أبعث بعد الموت، منكراً لذلك، ولم يذكر اسمه. وروي أن معاوية لما كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن ابن أبي بكر: جئتم بها هرقلية (فقال له مروان: يا أيها الناس) إن هذا الذي قال الله فيه: ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ الآية، فغضبت عائشة لما بلغها ذلك وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه - تعني الحكم - طريد رسول الله ﷺ، والتقدير في الآية، والذي قال لوالديه إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت أف لكما، أي: قَذَراً لكما أتعدانني أن أخرج من قبري بعد الموت. وقرأ الحسن: أن أخرج، جعل الفعل له. قال قتادة: هذا عبد سوء عاق لوالديه فاجر. * * * وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي﴾. أي: أتعدانني في أن أبعث بعد الموت وقد مضت قبلي القرون فهلكت، ولم يبعث أحد منهم بعد موته، فكيف أبعث أنا ولم يبعث أحد ممن هلك قبلي، فتوهم المخذول أن لما لم يبعث من مات قبله، لا يبعث هو، ولم يدر أن للجميع أجلاً ووقتاً يبعثون فيه. * * * ثم قال: ﴿وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ﴾. أي: ووالداه يصرخان الله عليه، ويقولان له ويلك آمن بالله وبالبعث، وصدّق بوعد الله ووعيده، إن وعد الله حق، إنه يبعث الموتى ليجازيهم على أعمالهم، فيقول لهما مكذباً لقولهما: ما هذا إلا أساطير؛ أي: ما تقولان لي إلا أخباراً من أخبار الأولين باطلة. ﴿يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ﴾ تَمَامٌ عند نافع، وَيْلَكَ آمِنِ التمام عند يعقوب وغيره "وَحَقٌ"، هو التمامُ عند غيرهما؛ لأنه من تمام القول الذي قالا له وهو الصواب إن شاء الله". * * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾. أي: وجبت عليهم كلمة العذاب في الآخرة مثل ما وجبت للأمم المتقدمة المنكرة للبعث، الضالة عن الهدى من الجن والإنس كفعل هذا الذي تقدم ذكره. * * * ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾. أي: مغبونين ببيعهم الهدى بالضلالة، والجنة بالنار. وهذه الآية تدل على موت الجن كما يموت الإنس أمة بعد أمة، لأنه قال: ﴿فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ﴾، وهي تدل على مجازاة الجن كما يجازي الإنس، ودخول الجن النار والجنة كما يدخلها الإنس، وليس المراد بقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾ عبد الرحمن الذي نزلت فيه الآية، وإنما المعنى، من عمل مثل هذا الذي ذكر عنه، إنكاراً للبعث فهو الذي حق عليه العذاب، فأول الكلام خاص، وآخره عام. وروى قتادة عن الحسن أنه قال: الجن لا يموتون، قال قتادة: فاحتجت عليه بهذه الآية. * * * ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي: ولكل هذين الفريقين من الجن والإنس من أعمالهم منازل ومراتب عند الله يوم القيامة في الجنة أو في النار. قال ابن زيد: درج أهل النار يذهب سفالاً، ودرج أهل الجنة يذهب علواً. * * * ثم قال: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ﴾ أي: ولنعطي جميعهم أجور أعمالهم من حسن وسيء. ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يزاد على أحد ذنب غيره، ولا ينقص أحد من حسن عمله. والوقف عند بعضهم ﴿مِّمَّا عَمِلُواْ﴾، على أن تكون "اللام" متعلقة بفعل مضمر بعد هذا، والتمام: يظلمون. * * * ثم قال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا على نار جهنم. وقيل العامل في "يوم" فعل مضمر بعده، والتقدير ويوم يعرض الذين كفروا على النار يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ﴾، فيقال هو العامل في "يوم" والمعنى: يقال لهم أذهبتم طيباتكم في الدنيا وتطلبون النجاة اليوم. (وذكر بعض العلماء أن معناه: أذهبتم طيباتكم في الدنيا لأنفسكم، ولم تعطوا منها الحاجة، وتؤثروا أهل الفقر لوجه الله عز وجل. وأكل الطيبات من المطاعم حلال إذا طاب أصلها، يقول الله جل ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] فأخبرنا أن الطيبات من الرزق مباحة للمؤمنين في الدنيا، وأنها خالصة لهم يوم القيامة في الآخرة إذ يشاركهم فيها في الدنيا الكفار، فلا شيء فيها للكفار في الآخرة). ويروى أن عمر رضي الله عنه رأى جابر بن عبد الله ومعه إنسان يحمل عنه شيئاً فقال: "ما هذا؟ قال: لحم اشتريته بدرهم فقال: أوكلما قدم أحدكم اشترى لحماً بدرهم والله لو شئت أن أكون أطيبكم طعاماً، وأينعكم ثوباً لفعلت، ولكن الله يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا﴾ فَأَنَا أَتْرُكُ طَيِّبَاتِي". وروى قتادة عن أبي هريرة أنه قال: "إنما كان طعامنا مع نبي الله ﷺ الأسودين: الماء والتمر، والله ما كنا نرى سراءكم هذه ولا ندري ما هي". وروي عن النبي ﷺ أنه دخل على أهل الصفة، وهو مكان يجتمع فيه فقراء المسلمين وهو يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: أنتم غير من يغدوا أحدهم في حلة ويروح في أخرى، ويغدا عليه بتحفة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يؤمئذ خير قال: بل أنتم اليوم خير ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾. أي: بتكبركم في الدنيا على ربكم ومخالفتكم أمره ونهيه بغير ما أباح لكم وبفسقكم. * * * ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ﴾. أي: واذكر يا محمد لقومك أخا عاد وهو هود إذ أنذر قومه كما أنذرت أنت قومك. والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلاً. قول المبرد، "هو رمل مكثتن ليس بالعظيم وفيه أعواج يقال أحقوقف الشيء: إذا اعوج حتى يلتقي طرفاه. كما قال: "سماوة الهلال حتى احقوقف". قال ابن عباس: الأحقاف جبل بالشام، وقاله الضحاك. وعن ابن عباس أنها واد بين عمان ومهرة. وقال ابن إسحاق. كانت الأحقاف ما بين عمان إلى حضرموت واليمن كلها. وقال مجاهد: الأحقاف: الرمل. وقال قتادة: هي رمال مشرفة على البحر بالشحر، والشحر ما يقرب من عدن. * * * وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ﴾. والنذر جمع نذير، والنذير الرسول ﷺ، وهو بمعنى منذر. وقيل: النذر هنا اسم المصدر بمعنى الإنذار، وليس بجمع. وقال الضحاك: لم يبعث الله عز وجل رسولاً إلا بأن يعبد الله وحده. * * * ثم قال: ﴿إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ [عَظِيمٍ]﴾. قال لهم هود ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم إن عبدتم غير الله سبحانه عذاب يوم عظيم هوله وهو يوم القيامة. * * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. أي: قال قوم هود وهم عاد لهود ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ وتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، فأْتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت صادقاً في قولك أنك تخاف علينا عذاب يوم عظيم. * * * ثم قال ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ﴾. أي: قال لهم هود إنما العلم بمجيء وقت العذاب إليكم على كفركم عند الله لا علم لي من ذلك إلا ما علمني ربي. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ [أي]: وأنا أبلغكم ما أمرت أن أبلغكم إياه، إنما أنا رسول لا علم عندي من الغيب. * * * ﴿وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾. مواضع حظوظكم فلا تعرفون ما يضركم ولا ينفعكم فتستعجلون العذاب لجهلكم بقدرة الله سبحانه. * * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾. أي: فلما رأت عاد العذاب الذي استعجلته سحاباً عارضاً مستقبلاً نحو أوديتهم. ﴿قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ أي: ظنوه أنه مطرٌ يأتيهم بخير. قال ابن عباس: كان لقوم عاد واد إذا أمطروا من نحوه وأتاهم الغيم من قبله كان ذلك العام عام خصب متعالم فيهم، فبعث الله عز وجل عليهم العذاب من قبل ذلك الوادي، فجعل هود يدعوهم ويقول: إن العذاب قد أظلكم فيقولون: كذبت هذا عارض ممطرنا، ونزلت الريح فنسفت الرعاة فجعلت تمر على الغنم ورعاتها حتى تغرقها، ثم تحلق بهم في السماء حتى تقذفهم في البحر، ثم نسفت البيوت حتى جعلتها كالرميم. قال قتادة: ذكر لنا أنه حبس عنهم المطر زماناً فلما رأوا العذاب مقبلاً ظنوه مطراً يأتيهم وقالوا: كذب هود، [فلما رآه هود] قال لهم: بل هو ما استعجلتم به من العذاب، هو ريح فيها عذاب أليم، فروي أن الريح كانت تلقى الفسطاط. وتأتي بالرجل الغائب فتلقيه وتحل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة. قال ابن عباس: كان لعاد واد إذا جاء المطر أو الغيم من ناحيته كان غيثاً فأرسل الله عز وجل عليهم العذاب من ناحيته، فلما وعدهم هود بالعذاب ورأوا العارض قالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال لهم هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * * * ثم قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. أي: تهلك الريح كل شيء أمرت بهلاكه. قال ابن عباس: ما أرسل الله عز وجل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا ونزع خاتمه . * * * ثم قال: ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: فأصبح قوم هود لم يبق إلا مساكنهم. * * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما جزينا عاداً بكفرهم كذلك نجزي قومك يا محمد إن تمادوا في غيّهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.