الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً [أُنزِلَ]﴾ إلى آخر السورة. أي: قالت الجن الذين استمعوا القرآن لقومهم إذ رجعوا إليهم يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه، أي: مصدقاً للتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله يهدي إلى الحق؛ أي يرشد مستمعه وقابله إلى الحق وإلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه وهو الإسلام. قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم، ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى. ثم قال حكاية عن قول الجن لقومهم ﴿يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ﴾. أي: أجيبوا رسول الله ﷺ إلى ما يدعو إليه من طاعة الله وآمنوا به. ﴿وَآمِنُواْ بِهِ﴾ أي: وبرسوله، وهو الداعي، فالهاء في "به" تعود على الداعي وهو رسول الله ﷺ فحضوهم على الإيمان برسول الله وطاعته ووعدهم بالمغفرة على ذلك. فقالوا: ﴿أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: يسترها عليكم في الآخرة. ﴿وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: وينقذكم يوم القيامة من عذاب مؤلم إن أجبتموه وآمنتم به. ثم قال عنهم: ﴿وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ﴾. يعنون محمداً ﷺ، أي: قالوا لقومهم من لا يجب محمداً ولا يؤمن به ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ليس بمعجز ربه بهربه في الأرض إن أراد عقوبته؛ لأنه حيث كان في قبضة ربه وسلطانه. ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ﴾ أي: ليس لمن لا يجب داعي الله من دون الله أولياء ينقذونه من عذابه. ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: أولئك الذين لا يجيبون داعي الله ولا يؤمنون به في جور ظاهر عن قصد الحق وإصابة الصواب. * * * ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ [عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ]﴾. أي: أوَلم يعلم قومك يا محمد أن الله الذي خلق السماوات والأرض وابتدعهما على غير مثال، قادر على أن يحيي الموتى فيردهم أحياء كما كانوا، فخلق السماوات والأرض وإيجادهما على غير مثال أعظم في القدرة من إعادة شيء قد كان له مثال على لطافة خلقه. ﴿بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: بلى يقدر على ذلك، إنه على كل شيء يريد قادر، لا يمتنع عليه شيء أراده. وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق والجحدري: يقدر على أن يحيي الموتى. وقرأ ابن مسعود "قادر" بغير باء. واختار بعض النحويين "يقدر" على "بقادر"؛ لأن الباء إنما تدخل في النفي، وهذا إيجاب. وروى ذلك عن أبي عمر والكسائي، والباء "إنما دخلت عند النحويين لدخول لم" في أول الكلام. وقال علي بن سليمان: تدخل "الباء" في النفي، فإذا دخل على النفي استفهام لم يغيره عن حاله، فتقول: "أما زيد بقائم" كما تقول: "ما زيد بقائم". * * * ثم قال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا - وأنكروا البعث والجنة والنار - على نار جهنم، فيقال: أليس هذا بالحق وقد كنتم تكذبون به في الدنيا؟ فيجيبون ويقولون: بل هو الحق وربنا، فيقال [لهم]: فذوقوا العذاب الآن بكفركم به وجحودكم إياه في الدنيا. * * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾. أي: فاصبر يا محمد على ما تلقاه من قومك كما صبر أولوا العزم من الرسل من قبلك على ما لقوا من قومهم من التكذيب والمكاره، فصبر نبيّه على ما يناله من قومه من الأذى والمكروه وعلّمه أن ذلك قد لقيه الرسل قبله ليتأسى بهم، وأولوا العزم من الرسل الذين كانوا امتحنوا مع قومهم في ذات الله في الدنيا، فلم تردهم المحن عن تبليغ ما أرسلوا به وإنذار من أرسلوا إليه في الدنيا. قال عطاء: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ. وقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يتخذ الله رسولاً إلا كان ذا عزم، فأمر النبي ﷺ أن يصبر كما صبروا. وقال قتادة: هم أربعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم. وقال مجاهد: هم خمسة كقول عطاء (وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ أي: ولا تستعجل لهم يا محمد إتيان العذاب من عند ربك على كفرهم، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن متعوا في الدنيا فإنما هو متاع قليل. * * * ثم قال ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾. وذلك أنهم ينسون مقدار لبثهم في الدنيا، وتهون عليهم مدته لهول ما يرون، وشدة ما يلقون، وما يعانون من الأهوال والعذاب وهذا مثل قوله قال: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٣]، استقلوا لبثهم في الدنيا حتى جعلوه يوماً أو أقل من يوم لعظيم ما عاينوا، والعادون: الملائكة. * * * وقوله: ﴿بَلاَغٌ﴾ معناه: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، اي: لبث بلاغهم إلى آجالهم، ثم حذف المضاف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل المعنى: هذا القرآن، أو هذه التلاوة والإنذار بلاغ لهم، (أي: كفاية لهم) أن تكفروا واعتبروا وتذكروا. وقيل بلاغ: معناه: قليل، تقول العرب: ما معه من الزاد إلا بلاغ؛ أي: قليل، وقيل المعنى: هذا الذي وعظوا به بلاغ. وقرأ عيسى بن عمر: "بَلاغاً" بالنصب، جعله نعتاً لساعة وقيل نصبه على المصدر. وقرأ أبو مجلز "بَلِّغْ" على الأمر. * * * ثم قال: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي: فهل يهلك الله بعذابه إلا القوم الذين خرجوا عن طاعة الله، وخالفوا أمره وكفروا به. وقيل المعنى: فهل يهلك مع تفضل الله ورحمته إلا القوم الفاسقون. وحكى أبو حاتم عن بعضهم - واستبعده - أن الوقف ولا تستعجل ثم يبتدئ ﴿لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ﴾ أي: لهم بلاغ، وفيه بعد؛ لأن الخبر قد بعد من الابتداء واعترض بينهما شيء كثير ليس منه. وقال غيره ﴿وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ وقف تام: وعن الحسن ﴿مِّن نَّهَارٍ﴾ تمام الكلام، وهو قول أبي حاتم أيضاً، وقال يعقوب ثم تبتدئ ﴿بَلاَغٌ﴾ أي: "ذلك بلاغ". وكذلك قال نافع ، إلاّ أنه قال: وإن شئت وقفت على "بلاغ". ومن نصب فلا يقف إلا على بلاغ؛ لأن ما قبله عمل فيه فلا يفرق بينهما، ومن قرأ "بَلِّغْ" وقف على "نَهَارٍ" واستأنف بالأمر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.