الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ﴾ الآيات. أي: ومن هؤلاء الكفار يا محمد من يستمع إلى قراءتك وهم المنافقون. * * * ﴿حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾. أي: فإذا خرج هؤلاء المنافقون المستمعون إليك، لم يعوا شيئاً ولا حفظوا مما قلت شيئاً، لأنهم حضروا لغير الله، واستمعوا بغير نية، فإذا خرجوا بغير علم ولا فهم، قالوا: لأصحابك المؤمنين ما قال محمد آنفاً. أي: منذ ساعة. قال قتادة: هم المنافقون، دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله، فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعاقل، وسامع فغافل، وسامع فتارك، وكان ابن عباس يقول: ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ أنا منهم، وقد سئلت (فيمن سئل). قال ابن زيد: "هم الصحابة". قال عبد الله بن بريدة: قالوا ذلك لابن مسعود. وقيل إنهم سمعوا النبي ﷺ يخطب ثم خرجوا فقالوا للمسلمين استهزاء: ماذا قال آنفاً، أي: إنّا لم نلتفت إلى ما قال. * * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: أولئك الذين هذه صفتهم هم الذين ختم الله على قلوبهم فهم لا يهتدون للحق، فرفضوا أمر الله واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم بغير برهان ولا حجة، فهذه في المنافقين. وقال: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. هذه في أهل الشرك، فكلا الفريقين اتبعوا أهواءهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى﴾. أي: والذين وفقهم الله لاتباع الحق من المستمعين زادهم الله بما سمعوا منك هدى. ففي ﴿زَادَهُمْ﴾ ضمير يعود على (الله وقيل هو يعود على) قول النبي، أي: زادهم قول النبي هدى. وقيل: هو عائد على فعل المشركين، وقولهم: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ أي: زادهم الله بضلال المنافقين واستهزائهم هدى. * * * وقوله: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ . أي: (وأعطى الله هؤلاء المتقين) تقواهم بأن استعملهم بطاعته، وقيل معناه: وألهمهم عمل أهل النعم. وقيل المعنى: وأعطاهم ثواب تقواهم. وقيل: إن المؤمنين آمنوا بالقرآن لما نزل، فلما نزل الناسخ [والمنسوخ] زادهم ذلك هدى. * * * ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾. أي: فهل ينظر هؤلاء المنافقون إلا إتيان الساعة وقيامها عليهم بغتة. "فأن" في موضع نصب بدلاً من "الساعة" بدل الاشتمال. و "بغتة" نصب على المصدر، أي: تبغتهم بغتة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال، وحكى أبو عبيد (أن في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم، على الشرط)، والجواب: فقد جاء. وقال أبو جعفر الرواسي قلت لأبي عمرو ما هذه "الفاء" في قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾. فقال: هي جواب للجزاء، قال: فقلت له: إنها أن تأتيهم، فقال: معاذ الله إنما هي أن تأتهم. وهذه القراءة تفسر المعنى لو صحت؛ لأنه يصير المعنى: إنها تأتيهم بغتة، ويجوز: أن تأتيهم غير بغتة؛ لأنه بمعنى الشرط والجزاء، وقد قال الله ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] والأمر المحدود الذي لا بد منه ولا يكون غيره، لا يدخله الشرط، لأن الشرط إنما يدخل في الموضع الذي يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون، ويحسن أن يقع، ويحسن ألا يقع، فليس هذا موضعاً للشرط البتة، وجاء قوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ بمعنى "ينتظرون" وهم لا يؤمنون بالساعة فكيف ينتظرونها، وإنما ذلك بمعنى الوعيد والتهدد، كما تقول لمن أصر على الذنوب والكفر: هل تنتظر إلا العذاب، وكما تقول لعبدك يصر على مخالفتك: هل تنتظر إلا العقوبة، فالمعنى: هل ينتظرون في الحقيقة عندنا وعند المؤمنين إلا أن تأتيهم الساعة بغتة. * * * وقوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: فقد جاء هؤلاء الكفار علاماتها ومقدماتها وآياتها. قال الحسن: موت النبي عليه السلام من علاماتها، وقال غيره: بعث النبي من علاماتها، لأنه نبي بعث لا نبي بعده، وقد قال ﷺ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعة كَفَرَسَيْ رِهان"(وقال أيضاً): "بُعِثْت أَنَا والسَّاعة كَهَاتَيْن". وأشار بالسبابة والوسطى. * * * ثم قال: ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ﴾ أي: فمن أي وجه لهؤلاء الكفار تقع الذكرى إذ جاءتهم الساعة بغتة، أي: ليس ينفعهم ذلك الوقت تذكر ولا ندم، إذ ليس هو وقت عمل ولا استعتاب ولا تأخر، فالتقدير: من أين لهم منفعة التذكر والازدجار عن الكفر إذا جاءت الساعة وانقطعت التوبة. * * * ثم قال: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فاعلم يا محمد أنه لا معبود تصلح له العبادة إلا الله، واسئل ربك الستر على ذنبك وعلى ذنوب المؤمنين والمؤمنات. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [أي]: يعلم أعمالكم في تصرفكم وفي سكونكم لا يخفى عليه شيء. وقيل المعنى: يعلم متصرفكم ومثواكم في الدنيا والآخرة، ومخاطبة النبي ﷺ هنا هي مخاطبة لأمته، والفاء في قوله: "فاعلم" جواب المجازات، والتقدير: قد بيّنا أن الله واحد، فاعلم. * * * ثم قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾. أي: ويقول الذين صدقوا الله ورسوله هل نزلت سورة من الله تأمرنا بجهاد أعداء الله من الكفار، فإذا أنزل الله سورة محكمة بالفرائض تأمرهم بالجهاد، رأيت الذين في قلوبهم مرض، يعني المنافقين ينظرون إليك [يا محمد نظر المغشي عليه من الموت، أي: ينظرون إليك] نظراً أمثال نظر الذي غشي عليه من حلول الموت به خوفاً أن تأمرهم بالجهاد مع المسلمين، وجبنا من لقاء العدو. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين، والمرض هنا: الشك والنفاق. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ هو وعيدٌ لهم. ثم ابتدأ فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾. أي: طاعة وقول معروف أولى بهم، وأمثل لهم، وأجمل بهم، وفيه معنى الأمر من الله لهم بذلك، فالوقف على هذا: ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ وأولى، عند بعض أهل المعاني: "أفعل" التي للتفضيل كما تقول: هذا أخزى لك وأقبح لوجهك، وهو عنده مشتق من الويل وفيه قلب، قلبت اللاَّم في موضع العين لئلا يقع إدغام، ومعنى ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ أي: وليهم المكروه بمعنى أولى لهم المكروه. والعرب تقول لكل من قارب الهلكة ثم أفلت: "أولى لك" أي: كدت تهلك. وعن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾، من قول المؤمنين، أي: لهم طاعة وقول معروف قبل الأمر بالقتال، فإذا أمروا نظروا إلى النبي ﷺ نظر الذي غشي عليه من خوف الموت فيكون الوقف على هذا "فأولى" ثم يبتدئ: ﴿لَهُمْ * طَاعَةٌ﴾ أي: يقول المؤمنون للمنافقين لهم طاعة وقول معروف: قبل نزول السورة بالأمر بالجهاد. فإذا نزلت بذلك نظروا إلى النبي ﷺ نظر من غشي عليه من الموت. وقيل: هو خبر من الله جل ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم قبل أن تنزل السورة يقولون: سمعاً وطاعة، فإذا نزلت السورة بذلك كرهوه فقال لهم الله طاعة وقول معروف قبل وجوب الفرائض عليكم، فإذا أنزلت الفرائض شق ذلك عليكم، وكرهتموه، فالكلام متصل على هذا القول لا يوقف على ما قبل طاعة، والوقف على القول الأول: فأولى لهم "وعليه أكثر العلماء وقد ذكرته. * * * وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ﴾. أي: فإذا وجب القتال وفرض كرهتموه، فالجواب محذوف لعلم السامع. وقيل المعنى: فإذا [جَدَ] الأمر، قاله مجاهد، وعنه: فإذا جاء الأمر بالقتال. وقيل المعنى: فإذا عزم أصحاب الأمر، يعني: النبي ﷺ وأصحابه. * * * ثم قال: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ أي: فلو صدق هؤلاء المنافقون الله وتركوا التعلل والهرب لكان صدقهم الله خيراً لهم. * * * ثم قال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. هذه مخاطبة للمنافقين الكارهين للجهاد. أي: فهل عسيتم أيها القوم لعلكم أن توليتم عن ما فرض الله عليكم من الجهاد أن تفسدوا في الأرض؛ أي: أن تعصوا الله ورسوله، وتعودوا لما كنتم عليه من سفك الدم وقطع الرحم، والتفرق بعد ما جمعكم الإسلام وألف بين قلوبكم، هذا معنى قول قتادة وغيره. وقال محمد بن كعب معناه: فهل عسيتم أن توليتم من أمور الناس شيئاً أن يقتل بعضكم بعضاً. وقيل المعنى: فهل عسيتم أن توليتم عن النبي ﷺ. فكفرتم بما جاءكم به أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر فتفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، وترجعوا إلى العداوات والحروب التي كانت بين الأوس والخزرج. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أَنْ تُوُلِّيتُمْ" على ما لم يسم فاعله أي: إن وَلِيَ عليكم غيركم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.