الباحث القرآني

قوله: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ الآيات. أي: هؤلاء المشركون من قريش هم الكافرون الصادون لكم عن دخول المسجد الحرام، والصادون الهدي محبوساً على أن يبلغ محله. وروي أن النبي ﷺ لما منع دخول مكة عام الحديبية، وهي سنة ست قال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: أليس قد وعدنا الله أن ندخل، فقال أبو بكر: أوعدك الدخول في هذا العام، وروى أن النبي ﷺ قال مثل ذلك. والعامل في "أن" ﴿مَعْكُوفاً أَن﴾ ويجوز أن يكون ﴿صَدُّوكُمْ﴾، والمعنى صدوكم عن دخول المسجد الحرام لتمام عمرتكم، وصدوا الهدي عن أن يبلغ موضع نحره، وذلك دخول الحرام، وكان النبي ﷺ ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل فكانت البدنة عن عشرة، قال ذلك المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، (وقد تقدم الاختلاف) في عدتهم، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه خرجوا معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية وهي بير بقرب مكة صدهم المشركون عن دخول الحرم فصالحهم النبي ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك إلى المدينة وذلك سنة ست، ثم يرجع من العام المقبل وهو سنة سبع فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحر هديه في مكانه وحلقوا في مكانهم، فلما كان العام المقبل سنة سبع أقبل رسول الله ﷺ وأصحابه فدخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة فعوضهم الله من صدهم في ذي القعدة ودخولهم مكة في ذي القعدة من العام المقبل فهو قوله تعالى: ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. * * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. أي: لولا أنه بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلمون أيها المؤمنون مكانهم وأشخاصهم فتقتلونهم بغير علم فتأثموا ويعيركم بذلك المشركون وتلزمهم الدية. والباء في "بغير" متعلقة "فتطئوهم"، "وأن" في قوله "أن تطئوهم" بدل من رجال بدل الاشتمال وقيل هي بدل من الهاء، والميم في "تعلموهم" والمعنى يرجع إلى شيء واحد: لسلطكم الله عليهم، فجواب "لولا" محذوف دل عليه الكلام. والتقدير لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنون (ونساء مؤمنات) لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم ولكنه تعالى حال بينكم وبين ذلك. ﴿لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: لم يأذن لكم في قتالهم وقتلهم ليسلم من كفار مكة من قدر الله له أن يسلم فيدخل في رحمة الله. وقيل المعنى: لولا رجال مؤمنون في أصلاب المشركين وأرحام المشركات ونساء مثل ذلك لعذبنا الذين كفروا. ثم قال : ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: لو زال من بمكة من المؤمنين وخرجوا من بين ظهراني المشركين لقتلنا من بقي بمكة من المشركين بالسيف. وقال الضحاك: لو تزيلوا: يعني من كان بمكة من المؤمنين المستضعفين. والمعرَّة: المفعلة من العرِّ وهو الجَرَبْ، والمعنى فيصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة على من أطاق، أو صيام شهرين متتابعين. "وأن" في قوله: ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ بدل من رجال أو بدل من الهاء والميم في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال. * * * ثم قال: ﴿إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ﴾. نزلت هذه الآية في سهيل بن عمرو وجهه المشركون إلى النبي ﷺ ليحضر كتاب الصلح فامتنع أن يكتب في الكتاب ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾، وأن يكتب فيه ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾، وقال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وامتنع هو وأصحابه من دخول النبي وأصحابه مكة. قال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أن محمداً نبي الله ولم يقروا بباسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. والعامل في قوله: "إذا جعل": "لعذبنا" فلا يبتدأ بها، ويجوز أن يكون العامل فعلاً مضمراً معناه: اذكر إذ جعل، فتبتديء بها إن شئت. والحمية: الأنفة والإنكار. * * * ثم قال: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أنزل عليهم الصبر والطمأنينة. * * * ثم قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي: وألزم الله المؤمنين قول لا إله إلا الله، وكانوا أحق بها من المشركين، وكانوا هم أهلها. قال علي بن أبي طالب وابن عباس: كلمة التقوى لا إله إلا الله. وكذلك روي عن النبي ﷺ، وهو قول مجاهد وقتادة، والضحاك وعكرمة وعطاء وابن عمر وابن زيد. وزاد عطاء فقال: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال الزهري: كلمة التقوى بسم الله الرحمن الرحيم وهو قول المسور ومروان لأن المشركين منعوا علي بن أبي طالب أن يكتب في كتابه الصلح: "بسم الله الرحمن الرحيم". وعن مجاهد وعطاء أنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وفي قراءة عبد الله "وكانوا أهلها وأحق [بها]". * * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من جميع أحوالكم. * * * ثم قال: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾. لقد صدق الله رسوله رؤياه التي أراه في منامه. أراه الله أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، يقصرا بعضهم رأسه، ويحلقا بعضهم. قال مجاهد: رآى النبي ﷺ في نومه بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحروا بدنهم بالحديبية: أين رؤيا محمد ﷺ؟ قال ابن زيد: قال النبي لأصحابه: إني رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين فلما نزل بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، وقالوا ابن رؤياه فأنزل الله ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ﴾ فأعلمهم أنهم سيدخلون من غير ذلك العام، وأن رؤيا محمد حق وقوله: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾. فحكى ما جرى في الرؤيا من قول الملك له في منامه. وقيل: إنما جرى لفظ الاستثناء لأنه خوطب في منامه على ما أدبه الله به في قوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] فخوطب في منامه، وأخبر بها يلزمه أن يقول لأصحابه كما لو كان هو المخبر بذلك لهم من عند نفسه. وقيل : إنما وقع الاستثناء على من يموت منهم قبل الدخول لأنهم على غير يقين من بقائهم كلهم حتى يدخلوا، ومثله قوله ﷺ: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" فوقع الاستثناء على من قد لا يموت على دينه. [وقيل: بل خاطبهم على ما يعقلون]. وقيل: بل خاطبهم على ما أدبه الله به وأمره به في قوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] الآية. وقيل: هو استثناء من آمنين، أي: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك استثناء من الله، لأن الله عالم بعواقب الأمور، وإنما يكون مثل هذا الاستثناء من المخلوقين الذين لا يعلمون عواقب الأمور، ولا يدرون بأن ذلك الشيء يكون أو لا يكون، والله عالم بما يكون وبما لا يكون. وقال بعض العلماء: إنما أتى الاستثناء في هذا لأن الله خاطب الناس على ما يعرفه وعلى ما يجب لهم أن يقولوا. وقيل معنى "إن شاء الله": إن أمركم الله بالدخول. وقال نفطويه المعنى فيه: كائن الدخول إن شاء الله ذلك، فليس فيه ضمان على الله أنه لا بد من الدخول، ولكن لما قال: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ دل على إنفاد المشيئة، وكان الدخول لأنه أخبر أن دون المشيئة فتحاً قريباً فعلم بهذا الوعد أن المشيئة [نافذة] والدخول كائن، فيصير المعنى لتدخلن المسجد الحرام إذا جاءت المشيئة. قال نفطويه: كانت العدة من الله للمؤمنين بالدخول سنة ست، وصدوا سنة سبع، ودخلوا سنة ثمان، وحج أبو بكر بالناس سنة تسع وفيها نادى على علي رضي الله عنه ببراءة، وفتحت مكة سنة عشر، وحج النبي ﷺ سنة إحدى عشرة. والحلق للرجال والتقصير للنساء، وقد يجوز للرجال أن يقصروا. والحلق أفضل ومن أجل جواز التقصير للرجال قال: ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ ولم يقل ومقصرات، فغلَّب المذكر. وقيل: إن الاستثناء في الآية أنما وقع على من مات منهم أو قتل وقيل إنّ "إنْ" بمعنى "إذ". * * * ثم قال ﴿لاَ تَخَافُونَ﴾ أي: تدخلون غير خائفين. * * * قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: علم الله أن بمكة رجالاً ونساءً مؤمنين، فلو دخلتموها أيها المؤمنون ذلك العام لقتلتم منهم فتلزمكم الديات ويقرعكم بذلك المشركون، فردكم عن مكة من أجل ذلك. * * * ثم قال: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي: فجعل الله لكم من دون صدكم عن البيت فتحاً قريباً، وهو فتح خيبر فتحها النبي ﷺ وأصحابه في ذلك العام واقتسم أهل الحديبية خاصة مغانمها. وقال مجاهد: الفتح القريب نحرهم الهدي بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر، ثم قضوا عُمرتهم في السنة المقبلة. وقيل المعنى: فجعل الله من دون رؤيا رسول الله ﷺ فتحاً قريباً وهو فتح خيبر. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى [ٱلدِّينِ كُلِّهِ]﴾. يعني: محمداً ﷺ أرسله بالرشد إلى الصراط المستقيم، وبالدين القوي الحق وهو الإسلام ليظهره على الدين كله، ليبطل به الملل كلها، فلا يكون دين إلا دينه، وذلك أمر سيكون عند نزول عيسى ﷺ. وقيل: إنه قد كان هذا إعلان النبي ﷺ قد قهر أهل الأديان كلها في وقته، وفي خلافة أبي بكر وعمر. وقال ابن عباس معناه: ليظهره على أمر الدين كله. * * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً﴾ أي: كفى به شهيداً على نفسه أنه سيظهرك على أمر الدين الذي بعثك به. هذا قول الحسن، وهو اختيار الطبري. ففي هذا إعلام من الله لنبيه عليه السلام أنه سيفتح مكة وغيرها من البلدان. * * * ثم قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: وأتباعه من أصحابه هم أشداء على الكفار، أي: ذوو غلظة عليهم وشدة وذوو رحمة فيما بينهم يرحم بعضهم بعضاً ويغلظون على الكفار عداوة في الله. قال قتادة: ألقى الله في قلوبهم الرحمة لبعضهم من بعض. * * * ثم قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾. أي: ترى أصحاب محمد تارة ركعاً وتارة سجداً يلتمسون بذلك من فعلهم في ركوعهم وسجودهم وغلظتهم على الكفار، ورحمة بعضهم لبعض فضلاً من الله أن يدخلهم في رحمته ويرضى عنهم. * * * ثم قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ﴾. قال ابن عباس معناه: أثر صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. قال عطية: مواضع السجود في وجوههم يوم القيامة أشد بياضاً من اللبن وهو قول مقاتل. قال الحسن: هو بياض في وجوههم يوم القيامة، وعنه هو بياض في وجوههم، وعن ابن عباس: أن ذلك في الدنيا وهو السمت الحسن. وقال مجاهد: أما أنه ليس الذي ترون، ولكنه سيماء الإسلام، وسمته وخشوعه وتواضعه. وقال الحسن: هو الصفرة التي تعلو الوجه من السهر والتعب، وهو قول ابن عطية. وقال ابن جبير وعكرمة: هو أثر التراب (وأثر الطهور). وقال ابن وهب: أخبرني مالك أنه ما يتعلق بالجبهة من تراب الأرض. ورواه مطرف عن مالك أيضاً. وأصل السيمي: العلامة. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ﴾. أي: هذا الذي تقدم من صفاتهم ونعتهم في التوراة. * * * ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. أي: وصف أصحاب محمد في الإنجيل ونعتهم فيه كزرع أخرج شطئه، أي: فراخه. يقال: أَشْطَأَ الزَّرْعُ يُشْطِيءُ أَشْطاً: إِذا أَفْرَخَ. فشبههم الله في الإنجيل بالزرع الذي أخرج فراخه، وذلك أنهم في أول دخولهم الإسلام كانوا عدداً قليلاً كالزرع في أول ما يخرج، ثم جعلوا يتزايدون ويكثرون، كالزرع إذا أخرج فراخه فكثر وعظم بها، ونما، فيكون الأصل ثلاثين وأربعين وأكثر بالفراخ فكذلك أصحاب النبي ﷺ كانوا قليلاً ثم تزايدوا وكثروا فكانت هذه صفتهم في التوراة والإنجيل من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض فكان مثلهم في التوراة غير مثلهم في الإنجيل، هذا قول أكثر المفسرين، وهو اختيار الطبري، وروى عن مجاهد أنه قال: المثلان منصوصان فيهم في التوراة والإنجيل. * * * قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: قواه، يعني فقوى الشطء الزرع، وذلك أن الزرع أول ما يخرج رقيق الأصل ضعيفاً، فإذا أخرج فراخه غلظ. أصله وتقوى فكذلك أصحاب النبي ﷺ كانوا قلة ضعفاء ومستضعفين، فلما كثروا وتقووا قتلوا المشركين. * * * ثم قال: ﴿فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾ أي: فاستوى الزرع على سوقه لما غلظ وتقوى بخروج الفراخ. والسوق جمع ساق، وسوقه: أصوله. وعن ابن عباس أنه مثل للنبي ﷺ بعثه الله وحده كخروج الزرع مفرداً، ثم بعث الله قوماً آمنوا به فتقوى بهم كالزرع إذا أخرج فراخه فتقوى بها وغلظ. هذا معنى قوله. وقيام معنى: ﴿فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾ أي: تلاحق الفراخ بالأصول فاستوى جميع ذلك، كم تلاحق من آمن من أصحاب النبي ﷺ بعضهم ببعض فاستوى جميعهم في الإيمان. قال ابن زيد: "فآزره"، فاجتمع ذلك فالتفت كالمؤمنين كانوا قليلاً ثم تزايدوا فتأيدوا. * * * ثم قال: ﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ﴾ أي: يعجب هذا الزارع حين استغلظ واستوى على سوقه، فحسن عند زارعيه. * * * وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ﴾ فاللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار، والتقدير: فعل ذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه الكفار، فالمعنى فعل ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ الكفار. * * * ثم قال: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ الآية. أي: وعد الله الذين صدقوا محمداً وعملوا الأعمال الصالحات من أصحاب محمد أجراً عظيماً ففضلهم بذلك على غيرهم. وقيل: معنى وعد الله الذين تثبتوا على الإيمان من أصحاب محمد أجراً عظيماً، وستراً على ذنوبهم. وقد روى سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ إلى آخر السورة، أن ﴿ٱلَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ﴾ عمر بن الخطاب ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان ابن عفان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾، علي بن أبي طالب ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾: طلحة والزبير ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ﴾ عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ﴾: أبو عبيدة بن الجراح، ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ بأبي بكر الصديق، فاستغلظ بعمر، ﴿فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ بعثمان، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ﴾ بعلي، ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ أصحاب محمد ﷺ. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلب مؤمن وسئل: أبو هريرة عن القدر فقال: اكتف منه بآخر سورة الفتح، يريد ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ (أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ)﴾ إلى آخر السورة، ثم قال أبو هريرة: "إن الله نعتهم قبل أن يخلفهم".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.