الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الآيات. أي: ولله كل من في السماوات والأرض عبيداً له وأنصاراً له على أعدائه، ولم يزل الله (عزيزاً لا يغلبه غالب)، حكيما في تدبيره خلقه. * * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾. انتصبت الثلاثة الألفاظ على الحال، وهي حال مقدرة. أي: مقدرين بشهادتك يا محمد (على أمتك يوم القيامة) ومقدرين تبشيرك أمتك بما أعد الله لهم من النعيم. إن أطاعوك ومقدرين إنذارك من كفر بك ما أعد الله له من العذاب إن مات على كفره. * * * ثم قال: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. أي: فعل الله ذلك بك يا محمد ليؤمن بك (من سبق في علم الله) أنه يؤمن. قال ابن عباس: تعزروه: يعني الإجلال، وتوقروه هو التعظيم. قال قتادة: وتعزروه: تنصروه، وتوقروه: تفخموه. وقال عكرمة: تعزروه: تقاتلون معه بالسيف. وقال ابن زيد: وتعزروه وتوقروه: هو الطاعة لله تعالى. وقال المبرد: تعزروه: تبالغوا في تعظيمه، ومنه عزر السلطان الإنسان؛ أي: بالغ في أدبه فيما دون الحد. وقال علي بن سليمان: معنى وتعزروه: تمنعون منه وتنصرونه. قال الطبري: معنى التعزير في هذا الموضع المعونة بالنصر. وقرأ الجحدري: تعزروه بالتخفيف. وقرأ محمد اليماني: وتعزّروه بالزاءين، من العز؛ أي: تجعلونه عزيزاً ويقال: عززه يعززه جعله عزيزاً وقواه، ومنه قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٣]. وقيل إن قوله: وتعزروه وتوقروه لله. وقيل هو للنبي ﷺ فأما "وتسبحوه" فلا تكون إلا لله. وتنزهوا الله عن السوء في بعض القراءات وتسبحوا الله. * * * وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: ظرفان تصلون لله في هذين الوقتين. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي: إن الذين يبايعونك يا محمد بالحديبية، وذلك حين حبس المشركون عثمان بن عفان بايع أصحاب النبي ﷺ على ألا يفروا عند لقاء العدو، ثم صرفهم الله عن المشركين وقتالهم، لئلا يهلك من بمكة من المسلمين ولا يعلم بهم أصحاب النبي ﷺ، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قوله: ﴿أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]. * * * وقوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة. * * * وقوله: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: يده فوق أيديهم عند البيعة. وقيل: قوة الله فوق قوتهم في نصرتهم رسوله. وقيل: معناه يد الله في الثواب والوفاء لهم فوق أيديهم في الوفاء بما بايعوك عليه. وقيل: معناه يد الله في الهداية لهم فوق أيديهم في الطاعة. * * * ثم قال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ أي: من نكث البيعة ولم يف بما بايع عليه فإنما نكثه راجع عليه لأنه يحرم نفسه الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة. ثم قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ﴾ في إيمانه. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ومن أوفى ببيعتك وما عهد على نفسه من نصرك يا محمد فسيؤتيه [الله] أجراً عظيماً وهو الجنة والنجاة من النار. * * * ثم قال: ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا﴾. نزلت هذه الآية في الأعراب الذين حول المدينة من مزينة وجهينة وأسلم، وغيرهم تخلفوا عن النبي ﷺ عام الحديبية، فلما رجع النبي وظفر وسلم أتوه يسألونه الاستغفار لهم وفي قلوبهم خلاف ذلك، ففضحهم الله. أي: سيقول لك يا محمد إذا رجعت إلى الحديبية الذين (تخلفوا في أهليهم). وقعدوا عن صحبتك والخروج معك إلى مكة معتمرين كما خرجت، معتذرين عن تخلفهم عنك: شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وأصلاح معائشنا وأهلينا فاستغفر لنا ربك لتخلفنا عنك، وكان النبي ﷺ لما أراد الخروج إلى مكة معتمراً استنفر العرب، الذين حول المدينة ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، ثم أحرم بالعمرة، وساق الهدي ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب فتثاقل عنه كثير من الأعراب فتخلفوا عنه، ففيهم نزل هذا. وقال مجاهد: هم أعراب المدينة من جهينة ومزينة تخلفوا عن الخروج مع النبي ﷺ إلى مكة غداة الحديبية ثم أنزل الله تكذيبهم في عذرهم فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يسألونك يا محمد الاستغفار من فعلهم من غير توبة تنعقد عليها قلوبهم، ولا ندم على فعلهم. وجاء بلفظ "ألسنتهم" توكيداً وفرقاً بين المجاز والحقيقة. * * * ثم قال: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى مكة، من يملك لكم من الله شيئاً. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ أي: من يدفع عنكم الضر إذا أراده الله بكم حين عصيتم رسوله وتخلفتم عن الخروج معه، واعتذرتم بما لا تعتقده قلوبكم. * * * ثم قال: ﴿بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: بل [لم] يزل الله ذا خبر بما تعملون وما تعتقدون، لا يخفى عليه شيء من ذلك. * * * ثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾. هذا خطاب للأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي ﷺ إلى مكة لما اعتذروا وكذبوا في اعتذارهم، فأكذبهم الله ثم أعلمهم بما علم من اعتقادهم في رسول الله ﷺ والمؤمنين فقال: بل ظننتم أيها الأعراب أن النبي ﷺ والمؤمنين لا يرجعون إلى المدينة أبداً من غزوتهم، فلذلك تخلفتم عن الخروج معهم لأنكم شغلتكم أموالكم وأهلوكم كما زعمتم في عذركم. * * * ثم قال: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾ أي: زين لكم الشيطان ذلك، وقال لكم لا يرجع النبي والمؤمنون إلى المدينة أبداً، وأنهم سيهلكون في غزوهم، وظننتم أن الله لا ينصر نبيّه ومن أطاعه، وذلك ظن السوء. * * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى باعتقادكم وظنكم. والبور في اللغة: الشيء الذي لا قيمة له ولا فائدة فيه كـ لا شيء". قال قتادة بوار: فاسدين. قال ابن زيد البور: الذي لا خير فيه. قال مجاهد بوراً: هلكى. * * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ [فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً]﴾. أي: ومن لم يؤمن منكم أيها العرب ومن غيركم بالله ورسوله فقد كفر، وقد اعتدنا لمن كفر سعيراً من النار يسعر عليهم (في جهنم) إذا وردوها يوم القيامة. يقال سعرت النار: إذا أوقدتها سعراً، ويقال: سعرتها أيضاً إذا حركتها ومنه قولهم أنه (لمسعر حرب): أي: محركها وموقدها. * * * ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. أي: له سلطان ذلك، فلا أحد يقدر على رده عما يريد من تعذيبه من أراد تعذيبه ولا عن ستر من أراد الستر عليه وإدخاله الجنة، وهذا تنبيه وحق لهؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله على التوبة والمراجعة إلى أمر الله وأمر رسوله: أي: بادروا إلى التوبة فإن الله يغفر لمن تاب، لا يرده عن ذلك راد. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: لم يزل ذا عفو عن عقوبة التائبين وذا رحمة لهم. * * * ثم قال: ﴿سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾. أي: سيقول لك يا محمد ولأصحابك هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن محبتك والخروج معك إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ يعني ما وعد الله به المؤمنين من غنائم خيبر، وعدهم ذلك بالحديبية وهو قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو فتح خيبر فأعلم الله نبيه عليه السلام أن المتخلفين عنه سيقولون له إذا خرج إلى فتح خيبر وأخذ غنائمها دعنا نتبعك. * * * ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعده أهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم غنائم خيبر بالحديبية عوضاً من غنائم أهل مكة إذا أنصرفوا على صلح. قال مجاهد: رجع رسول الله ﷺ عن مكة فوعده الله مغانم كثيرة فعجلت له خيبر، فأراد المتخلفون أن يتبعوا النبي ﷺ ليأخذوا من المغانم فيغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية. وقيل إن معنى قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يخرجوا معك في غزوك (وقد قال الله): ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: ٨٣]. قال ابن زيد: أرادوا أن يخرجوا مع النبي ﷺ وأن يبدلوا كلام الله الذي قال لنبيه: ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: ٨٣] وذلك حين رجع من غزوة تبوك. وأنكر هذا القول الطبري؛ لأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، قال: والصواب الذي قاله قتادة ومجاهد: أنهم يريدون أن يغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية، وذلك: مغانم خيبر وغيرها. * * * وقوله: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: كذلك قال لنا الله من قبل مرجعنا إليكم من الحديبية ان غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم ممن لم يشهدها، فليس لكم أن تتبعونا لأنكم تخلفتم عن الحديبية. * * * ثم قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: تحسدوننا أن نصيب معكم من الغنائم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم. * * * ثم قال: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يعقلون عن الله ما له عليهم إلا يسيراً، ولو كانوا يعقلون ما قالوا ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.