الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيات. أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. * * * ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣]. روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب رسول الله ﷺ في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله. * * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها. قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ. قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. * * * ثم قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾. أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم ﴿لاَ تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تعملون. وقال الزجاج تقديره "لأن تحبط"، وهو عنده مثل ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم. وفي قراءة عبد الله: "فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم". * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهِب بالنار فيخلصن جيده ويبطل خبيثه. قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. * * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. ثم قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. وقيل: هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي ﷺ: ذلك الله جل ذكره وقوله: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. * * * ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند الله خيراً لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته . وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف بحق النبي ﷺ، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. * * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ﴾. روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول الله ﷺ، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول الله ﷺ) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ فخضعوا له حين [صلُّوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول الله، بعث إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله عز وجل ومن رسوله ﷺ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ]﴾ الآية. وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهداً قال: إنه الوليد قال للنبي ﷺ إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي ﷺ يقول: "التبين من الله والعجلة من الشيطان قوله: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: قوم براء مما قُذفوا به فتندموا على ما فعلتم بهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله ﷺ فيما تقولون له لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم الإثم والمشقة في إخراج الدّيات والعنت والفساد والهلاك. * * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضاً، فلا فرق بين كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي ﷺ، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. * * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. * * * ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. قال الزجاج قوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: معناه أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريقِ الحق في سبيل الرشاد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.