الباحث القرآني

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ الآية. * * * قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسماً. وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدراً، فأنكراه على ذلك، وليس هو عند من أسكن مصدراً، بل هو اسم "ككسلان" و "غضبان". وقرأ يحيى بن وثاب ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بالضم. وهي عند الكسائي لغتان: "أَجرَم" و "جَرَم"، ولا يعرف البصريون "أجرم" إلا في الجنابة. ومن قرأ ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر، فالمعنى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا إن صدّوكم"، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إِن يَصُدّوكُم)، ومثله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ﴾ [محمد: ٢٢]. ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست ، فالصدّ كان قبل الآية. وقيل: "إِنْ" بمعنى "إذْ"، فهو صَدٌّ قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على الكسر قوله: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ [وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ] وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إنْ وقع صَدّ لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان نَهْياً للمشركين ولم يقل ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وقد جعل النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما تكون حجة للكسر. ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده التي جعلها علماً لطاعته في الحج. وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته. وقال السدِّي: شعائر الله حرَم الله. وقال ابن عباس: "شعائر الله مناسك الحج". وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه المحرمَ أن يصيبه. وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي "فعيلة" بمعنى: "مُفعَلَة". قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها. ابن قتيبة: الإشعار أن [يُجَلَّلَ] ويُقلَّد ويُطعَن في سنامه ليُعلَم بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ مَحِلَّه. وقيل: الشعائر العلامات بين الحِلِّ والحَرم، فنُهوا أن يجاوزوها غير مُحرِمين، وهو مشتق من قولهم "شَعر فُلانٌ بالأمرِ" إذا علم به. قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحرِم حتى يَحِلَّ. وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يَعُدُّون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحُمْسُ لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها. * * * وقوله: ﴿وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، وهو مثل قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وعنى بالشهر الحرام رَجَب مُضَر، كانت مضر تحرّم فيه القتال. وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يُحرّمونه مرة ويُحلّونه مرة، فنهوا عن تحليله. وقوله ﴿وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾: أما الهدي فهو ما أهداه المؤمن من بعير "أو بقرة" أو شاة إلى بيت الله، حرّم الله سبحانه أن يُغْصَب أهله عليه أو يمنعوا أن يبلغوه محلّه. وقوله ﴿ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا غير المقلدات، فقوله ﴿ٱلْهُدَىٰ﴾ هو ما لم يقلد، وقوله ﴿ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ هو ما قلد منها. وقيل: القلائد هو ما كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج مُقبلين إلى مكة - من لحاء السَّمِرُ فإذا انصرف تقلد من الشَّعَر، فلا يعرض له أحد. وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد. قال قتادة: كان الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السَّمُر فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد. وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحِلُّوا] من تقلد بذلك. وهو منسوخ، وكذلك قال السدي وابن زيد. وقيل: إنما نهى الله أن يُنزع شجر الحرم فيُتَقلّد به على ما كانت الجاهلية تصنع. فالتقدير على هذه الأقوال: ولا أصحاب القلائد. وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً - وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فَأمِن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في عنقه من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى أهله. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما: فأنزل الله ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا تستحلوا ترك ذلك، ﴿وَلاَ ٱلْهَدْيَ﴾ أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، ﴿وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ أي: لا تستحلوا من قلد بعيره، وكان أهل مكة يُقَلِّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، وقوله ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت الحرام. وقرأ الأعمش (ولا آمِّي البَيْتِ) بالإضافة. وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت. و "هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعةَ يقال له الْحُطَم" بن هند - كافرٍ، أتى حاجاً، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي ﷺ أن يخرجوا إليه فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك. قال ابن جريج: قدم الحُُطَمُ البكري على النبي عليه السلام فقال: إني داعِيةُ قومي وسَيِّدُ قومي، فأْعْرِض عَلَيَّ ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى الله أن تعبده: لا تشرك به (شيئاً) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال الحطم: في أمرك غِلظة، أَرجعُ إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرتَ، فإن قبلوا أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم. قال له النبي: ارْجِعْ. فلما خرج قال: لقد دخل عليَّ بِوجهٍ كافرٍ وخرج عنّي بقفاً غادِرٍ، وما الرجل بمسلم. فَمَرّ على سَرْح لأهل المدينة، فانطلق به وقَدِم اليمامة وحضر الحج، فتجهز [خارجاً] - وكان عظيم التجارة - فاستأذن أصحابُ النبي أن يتلقّوه ويأخذوا ما معه ، فأنزل الله عز وجل ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ الآية. والحُطَم هذا هو القائل: ؎ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطم ∗∗∗ ليس براعي إبلٍ ولا غَنَم ؎ ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمٍ ∗∗∗ باتوا نِياماً وابنُ (هندٍ لَمْ) ينَمْ ؎ (بَاتَ يُقاسيها) غُلامٌ كالزَّلَم ∗∗∗ خَدَلَّجَ (السَّاقَيْن) مَمْسوحَ الْقَدَم وقيل: اسم الحُطم [ضُبَيْعَة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح وهرب به. وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يَؤُمّون البيت بعمرة وهم مشركون، فقال المسلمون: نُغِيرُ عليهم، فنزل ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾. قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه يريد [أنها] نسختها ﴿[فَٱقْتُلُواْ] ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة غير هذه. وكذلك قال ابن عباس وقتادة في ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾: أمر ألا يمنع مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل. وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة. (و) قال قتادة: نسخ من المائدة ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾، نسخه آية القتل في "براءة". ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة. ومن قال: الشعائر حدود الله ومعالمه، قال: هي محكمة. وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضاً، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. (و) قوله ﴿وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر الحرم لم نؤمّنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ. وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت عائشة رضي الله عنها. وقد قال البراء: آخر سورة نزلت "براءة" وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ آخر النساء. * * * وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما يُصلح شأنهم في الدنيا خاصة. قال ابن عباس: يترضون الله بحجِّهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون الأجر والتجارة. وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله بحجه. وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر. قوله ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾ هذا إباحة (وليس بحَتْمٍ). قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ المعنى: لا يحملنّكم بغض قوم أن تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ومن كسر فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون. والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد الحرام يوم الحديبية. وقيل: معنى ﴿"وَ"لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم. وقوله ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بِنُحول الجاهلية أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صُدُّوا عن البيت، فيحملهم البغض [أن] يطالبوا بما) تَقدَّم في الجاهلية من قتل أو غيره. ثم أُمروا أن يتعاونوا على البر والتقوى، والبِرُّ: ما أُمِرْتَ به، والتقوى: ما نُهيتَ عنه: قاله ابن عباس. وقال سهل بن عبد الله: "البر: الإيمان، والتقوى: السنة". ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ﴾ ﴿ٱلإِثْمِ﴾: الكفر، ﴿وَٱلْعُدْوَانِ﴾: البدعة. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه إنه شديد العقاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.