الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ الآية. قال سيبويه: أبت العامة إلا الرفع، يريد بالعامة الجماعة من الرواة والقراء، والاختيار عنده النصب، لأن الأمر بالفعل أولى، فهو عنده مثل "زيداً فاضربه"، وخولف في ذلك فقال الكوفيون: الرفع أولى، لأنك لا تقصد إلى سارق بعينه، وإنما المعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، ولذلك أجمعوا على أن [قرأوا]: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء: ١٦] بالرفع، وهو مذهب المبرد. وقال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ بالجمع ليفرق بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان، هذا قول الخليل. وقال الكوفيون: أكثر ما في الإنسان - من الجوارح - اثنان "اثنان" مثل اليدين والرجلين والقدمين والأذنين، فلما جرى أكثره على هذا، ذُهِب بالواحد منهم - إذا أضيف إلى آخر - مذهب الجمع. وقيل: فعل ذلك، لأن التثنية جمع. وقيل: لأنه لا يُشْكل. وأجاز سيبويه جمع غير هذا مما (ليس) في الإنسان في حال التثنية وحكى ("وَضَعا رِحالَهما): يريد رَحْلَيْ راحِلَتَيْن. وقرأ ابن مسعود "والسّارق والسّارقَةَ" بالنصب، وبه قرأ عيسى بن عمر. * * * ﴿جَزَآءً﴾ مفعول من أجله، ويكون مصدراً، ومثله ﴿نَكَالاً﴾. وقرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). والألف واللام في ﴿ٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ دخلتا لتعريف النوع كـ ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي﴾ [النور: ٢]، و [ليستا] لتعريف الجنس، إنما يكونان لتعريف الجنس فيما لزمته الألف واللام (من أجل جنسه: كالرجل والدينار والدرهم، وما لزمه الألف واللام) لأجل فِعله، فهو تعريف النوع كالسارق والزاني وشبهه، وهذا يزول عنه هذا الاسم بزوال فعله، والأول لا يزول عنه أبداً. ومعنى الآية: من سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيديهما. وعنى بذلك سارق ثلاثة [دراهم]، أو ربع دينار أو (ما قيمته) ربع دينار، أو ثلاثة [دراهم] فصاعداً، هكذا بيَّنَته السنة. ولا يقطع السارق حتى يسرق من حرز وما أشبه الحرز، وهو قول أهل المدينة: مالك وأصحابه. وقد قطع النبي ﷺ في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهم. وروي أن علياً قطع في ربع دينار: درهمان ونصف. وروي عن ابن مسعود أن القطع في دينار أو عشرة دراهم فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقال عطاء: لا تقطع يد السارق فيما دون عشرة دراهم. وقال النخعي: تقطع يد السارق في دينار أو في قيمته. وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة [دراهم] فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقد أوجب قوم القطع على كل من سرق وإن قَلَّ ذلك، على ظاهر الكتاب. ولا قطع على السارق حتى يُخرج المتاع من حرزه أو ما يشبه الحرز، وهو قول الشعبي والزهري وعطاء، وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما. ولو نقب بيننا فأدخل يَدَه وأخذ متاعاً فرمى به إلى الخارج ثم خرج فأخذه، فعليه - في ذلك - القطع عند مالك وغيره، لأنه قد أخذه من حرزه - وهو الحائط -، ولو ناوَلَهُ آخرَ خارجاً من البيت، كان القطع على الداخل ولم يُقطع الخارج. ولو دخل جماعة بيتاً وأخذوا متاعاً وحملوه على أحدهم وخرجوا به، فقال ابن القاسم عن مالك: لا يقطع إلا مَن حمله، وقال ابن أبي أويس (عنه): يقطعون جميعاً. ولا قطع على من سرق باب دار أو باب مسجد، لأنه ظاهر لا حرز عليه. وإذا سرق من بيت الحمام - ومع المتاع من يُحرزه - قطع عند مالك، فإن لم يكن مع المتاع من يحرزه لم يقطع. وإذا سرق رجلان شيئاً - لو سرقه أحدهما وجب عليه القطع - قُطِعَا جميعاً عند مالك، كالرجلين يَقتُلان رجلاً، فإنهما يُقتَلان به. وقال الشافعي: لا قطع على أحدهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه القطع. وإذا سرق من رجلين أربعة [دراهم] فصاعداً، قطع عند مالك. وإذا سرق سارق ما يجب فيه القطع ثم سرقه منه آخر، فعليهما القطع عند مالك وغيره، ولو كانوا سبعين قطعوا. وقيل: لا قطع على الثاني. ولو كان لرجل على رجل مائة دينار دَيْناً فسرق الذي له الدّيْنُ من مال الذي عليه الدّيْن مائة درهم، فإنه يقطع عند مالك. فإذا سرق السارق ثم رد ما سرق ورفع إلى الإمام بعد ذلك، قطع في قول مالك وإن عفا عنه صاحب المتاع. وقيل: إنّه لا يقطع إذا عفا عنه صاحب المتاع. ويقطع عند مالك [في الفواكه] إذا كان فيها قيمة ما تقطع عليه اليد. وقيل: لا قطع في ذلك. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلا كَثَرٍ". "والكَثَرُ: الجُمَّار". ومن سرق مصحفاً قطع عند مالك والشافعي. ولا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء. وأوجب مالك وغيره القطع على الطرّار الذي يَطُرُّ النفقة من الكم. وقيل: إن كانت الصُرَّةُ داخل الكم قطع، وإن كانت خارجاً لم يقطع. وعلى الولد إن سرق من مال والده القطع، وهو قول مالك. وقيل: لا قطع عليه. وكلهم لم يوجبوا على الوالدين قطعاً إذا سرقا [من] مال ولدهما. فأما [ذوو] المحارم فقال الشافعي: يقطعون. وقال غيره: لا يقطعون. وكذلك اختلف في الزوجين، فقال مالك: يقطع كل واحد منهما إذا سرق مال الآخر. وقال غيره: لا قطع على واحد منهما. وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، (ثم إن سرق قطعت يده اليسرى)، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عُزر وحُبس، هذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقيل: تقطع [أولاً] اليمنى ثم يده اليسرى، ثم إن سرق حبس. وقيل: تقطع يده اليمنى ثم رجله ثم لا قطع عليه، قاله الزهري وغيره. وإذا كانت يمنى السارق شلاء قطعت يسراه عند مالك. وقيل: تقطع الشلاء. وذكر ابن القاسم أن مالكاً لم يجبه فيها بشيء، قال: ثم بلغني أنه قال: تقطع اليسرى. وقال غير ابن القاسم عن مالك: تقطع رجله، لأن يَدَهُ الشّلاء كالمقطوعة. وإذا أمر الحاكم بقطع يمينه (فقطعت يساره) أجزأ. وقال مالك: إذا كان السارق مريضاً يُخاف عليه لم يُقطع حتى يبرأ. و (العبد والحر) في (جميع) ذلك سواء عند مالك. ولا يُحَدّ إلا بالغ، والإنبات في حد البلوغ عند جماعة من العلماء، وحد البلوغ - عند مالك - الاحتلام أو يبلغ من السن ما لا يجاوزه غلام (إلا احتلم). وأجاز جماعة من العلماء أن يُشفع في الحدود ما لم يبلغ السلطان، روي ذلك ابن عباس والزبير بن العوام، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل. وروي عن ابن عمر وغيره كراهة ذلك، وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد صاد الله في حكمه. وقال مالك: من لم يُعرف منه أذى للمسلمين (و) إنما كانت منه (تلك) زلة، فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام أو الشُّرَط أو الحرس. * * * ومعنى ﴿نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: مكافأة بفعلهما، ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: عزيز في انتقامه من السارق وغيره (و) من أهل معصيته، ﴿حَكِيمٌ﴾ في فرائضه وحدوده.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.