الباحث القرآني

قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ [بِٱلنَّفْسِ]﴾ الآية. قرأ الكسائي برفع (العين) وما بعده، واحتج له بإجماعهم (على الرفع) في ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، وقوله ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]، فرفع [ما] بعد (أنّ) فيهما على القطع، فكذلك (العين) وما بعدها. وقيل: هو معطوف على موضع ﴿ٱلنَّفْسَ (بِٱلنَّفْسِ)﴾. وقيل: هو معطوف على المضمر الذي في [ٱلنَّفْسَ]. وقال بعض العلماء: من نصب جعله كله مكتوباً في التوراة، من رفع جعل ﴿وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ﴾ وما بعده ابتداء حكم في المسلمين، وجعل ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ هو المكتوب في التوراة دون ما بعده. والرفع [قراءة] النبي عليه السلام فيما روي عنه. ومن نصب ﴿وَٱلْجُرُوحَ﴾ عطفه على ما قبله، وأعمل فيه ﴿أَنَّ﴾، و ﴿قِصَاصٌ﴾ الخبر. ومن رفع قطعه مما قبله، [واختير قطعه مما قبله] لمخالفة خبره خبر ما قبله، ولمخالفة حكمه حكم ما قبله، ولمخالفة إعراب خبره (إعراب) خبر ما قبله، فلما خالف ما قبله، من هذه الوجوه قوي القطع، فرُفع على الابتداء. والمعنى: وكتبنا على هولاء اليهود الذين يحكمونك - وعندهم التوراة - في التوراة أن يحكموا بالنفس [في النفس] والعين "بالعين" وما بعده. قال ابن عباس: لم يجعل الله لبني إسرائيل دية، إنما هو النفس بالنفس أو العفو. فهذا استوى فيه أحرار المسلمين: الرجال والنساء فيما بينهم في النفس، وفيما دون النفس إذا كان عمداً، ويستوي فيه العبيد: رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمداً في النفس، وفيما دون النّفس. والقصاص من العين هو ظاهر النص، وبه قال علي بن أبي طالب والشعبي والنخعي والحسن ومالك والشافعي وغيرهم و [قراءة] الرفع توجب ذلك، لأنه حكم مستأنف للمسلمين، وليس بحكاية عما في التوراة. والنصب إنما هو حكاية عما في التوراة، فيجوز ألا يكون (حكماً لنا). ويكون القصاص في الأنفس عندنا من قوله تعالى: [﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية، ويجوز أن يكون (حكماً لنا) أيضاً بنص آخر وهو]: ﴿ٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ﴾، فيكون هذا بيان أن ذلك حكم لنا. وأحسن ما روي في صفة الاقتصاص من العين ما فعل "علي" بن أبي طالب: وهو أنه أمر بِمِرْآةٍ فَأحْمِيَتْ، ثم وضع على العين الأخرى قُطناً، ثم أخذ المِرآة بكلبتين. فأدناهما من عينه حتى سال إنسانُ عينه. وإذا ضرب رجل عين رجل فأذهب بعض بصره وبقي بعض، فالحكم فيها - على ما فعل علي بن أبي طالب -: أن تُعْصَب عينُه الصحيحة، ويعطى رَجُلٌ بيضة ويذهب "بها"، فحيث ما انتهى بصر المضروب عُلِّمَ، [ثم يرجع فيغطّي] عينه، وتكشف الأخرى، ثم يذهب الرجل بالبيضة فحيث ما انتهى بصر المضروب علم]، ثم يحوّل المضروب فيفعل به من ناحية أخرى في عينيه جميعاً مثل ذلك، ويكال الموضعان فإذا استويا نظر ما بين امتداد نظر الصحيحة والسقيمة، فيعطي من مال الضارب بقسطه، وبذلك قال مالك والشافعي. ولو فقأ أَعْورُ عين صحيح: فقيل: لا قود عليه، وعليه الدية. روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل عليه القصاص، وهو قول علي بن أبي طالب، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية عين أعْوَر كاملة. وإذا أُوْعِبَ جَدْعُ الأنفِ، ففيه الدية، وهو قول سائر العلماء. ولو كسره عمداً لكان فيه القود عند مالك، وإذا كسره خطأ - فبرأ على غير عثم - فلا شيء فيه عند مالك، وإن برأ على عَثْمٍ، ففيه اجتهاد الإمام. وكذلك قال: (ابن) القاسم إن خَرّم أنفه: وإذا قطع من أصله - أو من العظم - ففيه الدية كاملة عند مالك -. وإذا أفسد الخياشيم فانسكرت حتى "لا" يتنفس، ففيها الاجتهاد. وأما السن: فجاء الخبر من أنه أقاد من السن، وأنه قال: (و) في السن خمس من الإبل. وظاهر النص "القصاص". ورُوي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في السن بخمس من الإبل أي: سن كانت، وبه قال عروة بن الزبير والزهري وقتادة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم. وروي عن عمر أنه حكم فيما أقبل من الفم - الثنايا والرباعيات والأنياب - بخمس فرائض في كل سن. كل فريضة: عشرة دنانير، فذلك خمسون ديناراً في كل سن. وقضى في الأضراس (ببعير بعير)، وقضى معاوية في الضرس بخمس فرائض. فالدية تزيد إذا أصيب الفم كله عند معاوية، وتنقص عند عمر. وإذا اسودت السن من ضربة أو جناية، فقد تم عقلها عند مالك وغيره، لأن جمالها قد ذهب، فإن طرحت بعد ذلك، كان فيها عقلها، لأن منفعتها قد ذهبت. وروي عن عمر أنها إذا اسودت ففيها ثلث ديتها. وقيل: فيها حكومة إذا اسودت، وبه قال الشافعي. (وإن) قلعت سن الصبي، فنبتت، فلا شيء فيها، إلا أن تنبت ناقصة الطول (عن ما) هو مثلها، فيؤخذ من الجاني بقدر ما نقصت، هذا مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال مالك: لأولياء الصبي أن يضعوا عقلها، فإن نبتت ردوها على أهلها. وقيل: في ذلك حكومة. وإذا أخذ الكبير دية سنه ثم نبتت، فلا يرد ما أخذ عند مالك، لأنه أخذه بحق. وقال أصحاب الرأي: يرد ما أخذ. واختلف في ذلك قول الشافعي. ولو جنى عليها آخر فسقطت، أخذ صاحبها إرشها تاماً. ولو قلعت سن قوداً ثم أخذها صاحبها فردها فالتحمت، فلا شيء عليه عند ابن المسيب، وهو قول عطاء، وقال: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها، أعاد كل صلاة صلاها وهي عليه، ويَجْبُره السلطان على قلعها مرة أخرى. وكذلك قول الثوري وغيره: تقلع ثانية، لأن القصص للشَّيْن، فلا بد من قلعها. وقال مالك في قصاص الأسنان: "الثنية بالثنية"، والرباعية بالرباعية والسفلى بالسفلى. ولا [تقاد] سن إلا بمثلها في موضعها، فإن لم يكن له مثل الذي طرح، رجع ذلك إلى العقل. ولو قلعت سن رجل فداواها وردها [فالتحمت]، فلا شيء فيها على الجاني عند مالك إذا عادت كهيئتها. وقال الشافعي: لا يسقط عن الجاني شيء مما وجب عليه. وفي السن الزائدة إذا قلعت - عند مالك - حكومة، وهو قول الثوري والشافعي. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث السن. فإن كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، وهو قول الجماعة. [وأما] الأذنان: فإذا ذهب سمعهما ففيهما الدية، فإن قطعتا ولم يذهب السمع ففيهما الاجتهاد، هذا قول مالك. فإن ضرب رجل رجلاً فادعى المضروب أن سمعه ذهب، اغتفل المضروب وصيح به، فإن أجاب جواب من يسمع، لم يقبل قوله، وإن لم يجب، أحلف بالله: لقد صممت وما وجدت الصمم إلا منذ ضربت، فإذا حلف أعطي عقله كاملاً. وفي اللسان الدية. فإن قطع بعضه، نظر ما نقص من مخارج الحروف من ثمانية وعشرين حرفاً، فيكون على الفاعل - من الدية - بمقدار ما ذهب من كلامه. وليس في اللسان قود عند مالك، وروي عنه أنه قال: فيه القود إن كان يستطاع القود منه. وفي لسان الأخرس حكومة عند مالك والشافعي وأهل العراق وغيرهم. وقال النخعي: فيه الدية كاملة، وقال قتادة: فيه ثلثا الدية. وفي ذهاب الصوت الدية عند جماعة من الفقهاء، وقيل: فيه حكم. وفي كل اثنين من الإنسان الدية كاملة: في الأذنين والشفتين واليدين والرجلين ونحو ذلك. وعن زيد بن ثابت أن في الشفة السفلى ثلثي الدية، وفي العليا الثلث، وهو قول ابن المسيب والزهري. وفي اللحية حكومة عند ابن القاسم. وقال غيره: إن أنبتت فلا شيء فيها، وإن لم تنبت ففيها الدية. وفي نتف الحاجبين وأشفار العينين حكومة عند مالك "وإن لم تنبت". والأصابع إذا زالت من الكف ففيها عقل اليد. وفي اليد من المنكب دية اليد لا غير. وما كان من ذلك خطأ، حملته العاقلة، وما كان عمداً ففيه القصاص. وإذا شلت اليد أو الرجل فقد تم (عقلها)، فإن كان الضرب: عمداً، ضرب الضارب مثل ما ضرب. وإذا شلت [الأصابع] تمت ديتها، فإن قطعت الشلاء (أو) [الأصبع] الأشل، فإنما في ذلك حكومة في مال الجاني. ومن قطع يد رجل - ناقصة منها أصبع - قطعت يده ولا يسأل عن نقص [الأصبع]، أي: أصبع كانت. فإن كانت اليد تنقص أصبعين أو ثلاثة، لم يقطع يد الجاني، ولكن عليه العقل في ماله. ومن قطع (من) يد رجل أصبعين وما يليهما من الكف (في ضربة) واحدة، وجب عليه خمساً دية الكف. ومن قطع كفاً لا أصابع فيها، ففيها حكومة. ومن قطع يمين رجل - ولا يمين له -، فعليه العقل مثل عقل العمد - إذا قُبلت - من ماله. ومن أصيب أصبعه خطأً، أو ذهبت بأمر من الله، ثم قطع كفه خطأ، فإنما له أربعة أخماس الدية على العاقلة. وكذلك إذا ذهبت الأنملة، ثم قطع الكف، إنما له حساب ما بقي. وفي الظفر الاجتهاد إذا برأ على عثم، وإن كان عمداً ففيه القصاص. وروي عن النبي ﷺ أنه جعل في الأصابع عشراً عشراً وأصابع اليد والرجل سواء، لا فضل لبعضها على بعض. وروي عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسعة، وفي الخنصر بست. والأشهَر أنها سواء (عشر عشر) لكل واحدة. وفي كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا الإبهام ففيها الثلثان، في كل أنملة نصف دية [الأصبع]. وروي عن مالك أنه قال: في الإبهام ثلاثة أنامل: الثالثة مع الكف، ففي كل واحدة ثلث دية الأصبع كسائر الأصابع. وروي عنه أنه قال: الإبهام مفصلان: في كل مفصل نصف دية أصبع، وفي الثالثة التي تلي الكف حكومة، بمنزلة باقي الكف إذا قطعت بعد الأصابع. وعن عمر أنه جعل في اليد الشلاء والرجل الشلاء ثلث ديتها. وقال ابن شهاب: فيها نصف ديتها، ومثله الأصبع الأشل، وقال الشافعي: فيها حكومة. وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي ﷺ. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي ﷺ. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. فإن قطع القضيب بعد الحشفة ففيه اجتهاد عند مالك، وينتظر به حتى ينظر ما يحدث عليه من قطعه. فإن قطع من طرف الحشفة، قيس مقداره فيما بقي وكان بحساب ذلك، ولا يقاس ما بقي القضيب، لأن في الحشفة الدية كاملة. وفي الأنثيين - في الخطأ - الدية كاملة، وفي العمد القصاص. وفي بيضة واحدة نصف الدية. وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، لأن الولد منها، وفي اليمنى الثلث. وإن قُطع ذكر رجل وأنثياه، ففي ذلك ديتان، وكذلك إن قطعا في وقتين، ففي كل واحد الدية. وفي ذكر الخَصِيّ حكومة عند مالك، وفيه الدية "كاملة" عند الشافعي. وقال قتادة: فيه ثلث الدية. وفي كسر العظام إذا [كسرت] القصاص عند مالك: الساق بالساق، ولا قصاص فيما فوقه، ولا في كسر ظهر ولا فخذ. ويجتهد الإمام في اللطمة عند مالك. و "قد" قيل: فيها القصاص. وفي الموضحة - وهي الضربة التي توضح العظم - خمس من الإبل. وهي تكون في الرأس والوجه قال مالك: إنْ كانت التي في الوجه تَشِينهُ، زِيدَ على الجاني بقَدْر شَيْنِها. وليس موضحة البدن مثل موضحة الرأس والوجه. ولا يعجل بأخذ الدية من صاحب الموضحة حتى ينظر (إلى) ما يصير إليه أمرُها، فإن مات منها كان في ذلك قسامة. وقال مالك: يقاد من العمد، ولا يعقل جراحات الخطأ إلا بعد البرء، وإن اقتص من الجارح عمداً فبرأ، فإن كان جرحُه مثلَ جُرح المَجروح أوّلاً أو أكثر فلا شيء (عليه) للأول، وإن كان في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عَثَلٍ، أو على عثل دون عثل الأول، اجتهد الإمام في الحكومة على قدر ما زاد شَيْنُ المجروح الأول. والموضحة في الوجه - عند مالك - من اللَّحْيِ الأعلى فما فوقه خاصة. و [لا] تكون الموضحة في الأنف عند مالك. وفي الموضحة - في سائر البدن - حكومة عند مالك والشافعي. وروي عن أبي بكر وعمر أن فيها نصف عشر دية ذلك العضو الذي وقعت فيه، وسند ذلك إليهما ضعيف. وفي الهاشمة القودُ عند مالك إلا أن يخاف منها فلا يقتص منها، وفيها عشر من الإبل. وفي المُنَقّلة خمسَ عشرة من الإبل عند مالك وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك والشافعي وغيرهما. والمُنَقِّلَة: (التي ينقل منها) العظام. وفي المأمومة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ - ثلث الدية، وهو قول مالك وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك وأكثر العلماء. والشجاج - التي دون الموضحة - ست: أولها: الدامية: وهي التي تَدْمَى ولا يسيل دمها. ثم الدامعة: وهي التي يسيل دمها. ثم الخارصة: وهي التي تَحرِص الجلد (أي) تشقه قليلاً، ومنه قيل: حَرَصَ الثوبَ القَصَّارُ: إذا شَقّهُ. ثم الباضعة: وهي التي تشق الجلد وبعض اللحم. ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم أكثر من الباضعة. ثم السمحاق: وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة "رقيقة" وكل قشرة رقيقة فهي سمحاقة، ويسميها أهل المدينة: المِلْطاة، وفي جميع ذلك - عند مالك والشافعي وغيرهما - حكومة. وقد حد غيرهم في كل نوع حدا: قضى زيد بن ثابت (ببعير في الدامية)، وفي الدامعة بنصف بعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي السمحاق بأربعة أبعرة. وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك، وروي أن فيها نصف دية الموضحة، وروى مالك أن عمر وعثمان قضيا في [الملطاء]. وفي السمحاق بنصف الموضحة، وكان يرى فيها حكومة كسائرها. ورأى مالك: القصاص فيما دون الموضحة، مما ذكرنا إذا كان عمداً. وفي الْجَائِفَة ثلث الدية، قضى به رسول الله ﷺ، وبه قال مالك وغيره. ولا فرق بين العمد والخطأ في الجائفة. وفي الجائفة [النافذة] ثلثا الدية. وفي ثدي المرأة نصف الدية، وفيهما جميعاً الدية كاملة، هذا مذهب الجميع. وفي الحُلْمة - إذا انقطع لبَنُها - نصف الدية عند مالك. وفي ثدي الرجل حكومة عند مالك. وعن زيد بن ثابت أن فيها ثمن الدية. وقال الزهري: خمس من الإبل. * * * وقوله: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ أي: من تصدق بجرحه، هدم عنه ذنوبه مثل ما تصدق به، [قاله] جابر بن زيد. وروى الشعبي عن رجل من الأنصار قال: سئل النبي عليه السلام عن قوله تعالى ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال: هو الرجل تُكسَرُ سِنُّه، أو يُجْرح في جَسَدِه فَيَعْفو عنه فَيُحَط من خَطاياه بقَدْر ما عفا: إن كان نصف الدّية فنصفُ خَطاياهُ، وإن كان ثُلثُ الدية فَثُلُث خَطاياهُ، وإن كان رُبُع الدية فَرُبُع خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها. وقال قتادة: "﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ يقول: لولي القتيل الذي عفا". فالهاء المجروح، أو لولي القتيل. وقيل: الهاء للجارح، والمعنى: إن تَصَدَّق المجروح على الجارح بإِرْش جُرحِه، فالصدقة كفارة للجارح، ليس يبقى عليه ذنب من الجرح. قال زيد بن أسلم: "إِنْ عَفا عنه، أو اقتص منه، أو قَبل منه الدية فهو كفارة له"، أي: للفاعل، وفي هذا القول بُعْدٌ، لأنه لم يَجْرِ ذكر للجارح، وإنما جرى ذِكرُ المجروحِ في ("مَنْ")، فالهاء تعود عليه أَوْلى، وهو اختيار الطبري، قال: ولأَنّ المعهود أن التكفير إنّما يكون للمتصدِّق دون المتصدَّق عليه. وقيل: الهاء في (بِهِ) لإرش الجرح، وفي (لَهُ) للجارح، أي: مَن تصدق بما وجب له من الإرش والدية ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾، أي: فذلك الفعلُ كفارةٌ للجارح والقاتل في حُكم الدنيا، و (مَن) اسم للمجروح (أو لولي) المقتول. وقيل: ("مَن") اسم للقاتل والجارح، والهاء في (به) تعود على القتل أو الجرح، والهاء في (له) تعود على القاتل أي: من تصدق بِبيان أنه هو القاتل وهو الجارح، فذلك الإقرار كفارة للمُقِرّ، لأنه قد أباح نفسه بإقراره لأخذ الحدّ منه، ورفع التُّهم عن الناس: قال مجاهد: إذا أصاب الرجلُ الرجلَ بأمر، ولم يعرف الفاعل، فاعترف الفاعل، وأقرّ، فهو كفارة له، وقد روي أن عروة بن الزبير أصاب عين رجل خطأً عند الركن فقال: أنا عروةُ، فإن كان بعينك [بأس فأنا] بها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب