الباحث القرآني

قوله: ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ﴾ الآية. الطيبات - هنا - الحلال من الذبائح. وقيل: هي كل ما تلذذ به من الحلال. ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي: ذبائحهم، ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ (أي) ذبائحنا جائز (لنا) أن نطعمهم إياها، فتحليل ذلك هو لنا لا لهم، ومثله قوله ﴿وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: أعطوهم ما أنفقوا، فالأمر لنا لاَ لَهم، لأنهم ليسوا ممن يؤمن بالقرآن فيكون الأمر لهم. ومذهب الشعبي وعطاء وغيرهما أنه تؤكل ذبائحهم وإن سَمَّوا عليها غير اسم الله، وهذا عندهم ناسخ لقوله ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويروى ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. ومن العلماء من قال: هذا استثناء وليس بناسخ لِما في الأنعام، تؤكل ذبائح أهل الكتاب وإن ذُكِر عليها اسم المسيح. ومذهب عائشة رضي الله عنها وعلي بن أبي طالب وابن عمر أنه لا تؤكل ذبيحة الكتابي [إذا] لم يسم عليها. و "كان" مالك يكره ذلك ولم يحرمه. وأما إن ذكر عليه اسم المسيح فلا تؤكل عند مالك. وكره مالك ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم ولم يحرمه. فأما ذبيحة المجوسي فلا تؤكل. وذبيحة نصارى تغلب لا تؤكل. وقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم، وهم بمنزلة غيرهم، وقال بذلك غيره من الفقهاء. وقال علي بن أبي طالب: لا تؤكل ذبائحهم، وبه قال الشافعي: فأما الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ في المجوس: "سُنّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتابِ" فإنه غير متصل الإسناد، (و) أيضاً فإن الحديث إنما جرى على سبب الجزية لا غير، وقوله "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ" يدل على أنهم ليسوا منهم. وقوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: أحل لكم الحرائر من المؤمنات والحرائر من الذين أوتوا الكتاب - نصرانية أو يهودية -، إذا أعطيتها صداقها وهو ﴿أُجُورَهُنَّ﴾. وقيل: المحصنات - هنا - العفائف من هؤلاء ومن هؤلاء، فأجاز قائل هذا نكاح الإماء من أهل الكتاب وتحريم غير العفائف من الجميع، قال ذلك مجاهد، وقاله سفيان والسدي. والحربية من أهل الكتاب - وغيرها سواء - جائز نكاحها. ومن قال: المحصنات العفائف، فالحربية - من الإماء والحرائر - جائز نكاحها عنده، ومذهب مالك وغيره أن إماء أهل الكتاب لا يجوز نكاحهن. وروي أن ثواب الرجل مع الزوجة المؤمنة أفضلُ من ثوابه مع الزوجة الكتابية، وروي أن الرجل إذا قبَّل زوجته المؤمنة، كتب له عشرون حسنة، وإذا جامعها كتب له عشرون ومائة حسنة، فإذا اغتسل منها، لم يمرّ الماء بشعرة من جسده إلا كتبت (له (عشر)) حسنات ومحي عنه عشر سيئات، وباهى الله به الملائكة فقال: انظُروا إلى عبدي قام في ليلة [قَرَّةٍ] يَغتَسِلُ من خَشْيَتي، ورَأَى أن ذلكَ (حقٌّ لي) عليه، اشهدوا يا ملائكتي أنّي قَد غَفرتُ لَه. وروي أن المرأة لا تضع شيئاً من بيت زوجها، تريد بذلك إصلاحه، ولا ترفعه إلا كتب لها عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا حملت ثم طلقت، فلها بكل طلقة كأنما أعتقت نسمة (من ولد إسماعيل) خير النسم، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا أفطمته نادى منادٍ من السماء: أَيَّتُها المرأة قد غفر لك فاستأنفي العمل. وروي عن (ابن المسيب) والحسن أنهما كانا لا يريان بأساً بنكاح إِماء اليهود والنصارى. و(قد) قيل: عنى بذلك نساء أهل الذمة من أهل الكتاب خاصة، ونساء أهل الحرب حرام، روي ذلك عن ابن عباس. قوله ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي: أعِفّاء، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير مزانين، ﴿وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ﴾ أي: أَخِلاّءٌ على الزّنى، والخدن: الخليل للمرأة يزانيها. قوله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ﴾ أي: بما جاء به محمد ﷺ، وقيل: بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله محمد ﷺ. وقيل: بالإيمان: بما نزل من الحرام والحلال والفرائض. ونزل ذلك في قوم تَحَرَّجوا نكاح [نساء] أهل الكتاب، فأنزل الله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾، أي من يردّ من أتى به محمد ﷺ. وقيل: الإيمان - هنا - التوحيد، وهو مثل قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومثل قوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.