الباحث القرآني

قوله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية. ﴿هَدْياً﴾ حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه على المصدر. و ﴿بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ نعته، والتقدير فيه: التنوين. والمعنى: يا أيها الذين صدقوا، لا تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة. ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ (أي) ناسياً لإحرامه، معتمداً لقتل الصيد، فإن كان ذاكراً لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا حكم عليه و [نقمة] الله منه أعظم. ومن الناس من قال: لا حج له. ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره. وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد. وقال الزهري: نص الله على المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء. (قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا لذلك كتاباً لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على المخطئ، وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في قوله ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولِمَا قال ابن شهاب: إنه السنة. * * * ومعنى ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ﴾ هو (أن ينظر) إلى أشبه الأشياء به، فيجزيه (به) ويهديه إلى الكعبة. فمن أصاب نعامة فعليه بَدَنَة، وفي بيض النعامة عُشر ثَمن البدنة، هذا قول مالك، كما يكون في جنين الحرة (غُرَّةٌ: عَبْدٌ أو) وليدة، وقيمة الغرة خمسون ديناراً وذلك عُشر دية الأم. وفي الظبي شاة. وفي الأرنب - عند مالك - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مداً، وإن شاء صام لكل مُدٍّ يَوْماً، هو بالخيار. وفي الحَمَام - عند مالك شاة. وفي حمام الحِلّ حكومة عند مالك، وليس كحمام الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم. وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك. وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء. ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم. ومنعه غيره، وكرهه ناس. وإذا نتف المحرمُ من الطيرِ ما يَضُرُّ به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه تامّاً عند مالك. وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله. ويأكل المحرم لحم الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك. وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر. ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة. ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان. ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر والغنم إلا بما يجوز في الضحايا. وإذا اختلفَ الحكمان في الجزاء، ابتدأ الحكم غيرهما. ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما. وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مُدٍّ يَوْماً، فللحكمين أن يُقوِّما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن شاء أطعم الطعام: مداً لكل مسكين، وهو قوله ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وإن شاء صام عن كلّ مُدٍّ يَوْماً، وهو قوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾، هو مخير في ذلك. ولا يطعم بعضاً ويصوم بعضاً، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل. وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهو قول من قال: يعطي الطعام، نصف صاع لكل مسكين. والعَدْل: المِثْلُ، والعِدْلُ (نصف) الحمل. وقال الكسائي: هما لغتان في المثل. وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: ﴿أَو عَدْلُ﴾ بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، لأن العِدل (نصف) الحمل. وقال الكسائي: عَدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعِدله: مثله من جنسه. * * * وقوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف﴾ أي: عفا لكم عما سلف لكم في جاهليتكم من قتل الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ينتقم منه في الآخرة, وعليه الكفارة. وقد ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد مرة أخرى فقتل متعمداً، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ حكم عليه. وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله. وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد لقتله بعد تحريمه عليه. عالماً بقتله وبِإِحْرامِه، فالله ينتقم منه، ولا كفارة عليه. ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ (أي): ممتنع، ﴿ذُو ٱنْتِقَامٍ﴾ أي: ذو عقوبة لمن عصاه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.