الباحث القرآني

قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ الآيات. أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. قال قتادة قرينه: الملك. وقيل قرينه: شيطانه. وقيل معنى عتيد: معد. وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. * * * ثم قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال الفراء والكسائي: "أَلْقِيَا" مخاطبة للقرين. قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: "يا رجل قوما". وأنشد: ؎ خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ ∗∗∗ [لِنَقْضِي لُبَانَاتِ] الفُؤادِ المُعَذَّبِ وإنما خاطب واحداً، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: ؎ أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جئتُ طارقاً ∗∗∗ وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطِبِ وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قريناً يقع للجماعة والاثنين كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، فالألف تدل على التكرير ، وهو قول المبرد. وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب له. وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. * * * وقوله: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾. قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس بلسانه وبطشه ظلماً. مريب: شاك. ثم بينه تعالى فقال: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾ أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلهاً آخر يعبده. ثم قال : ﴿قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾. أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن عباس وغيره. قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ﴾. (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إِليَّ اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما قال لهم "لا تختصموا" ولم يتقدم إلاَّ ذكرُ الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن جماعة في قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾. فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول أبين. * * * ثم قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨]. قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. * * * ثم قال ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي: لا آخد أحداً بجرم أحد. * * * ثم قال ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأتُ فليس من مزيد ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت وهل من مسلك)، فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ما من مزيد على هذين القولين. وحكي عن النبي ﷺ أنه قيل له بمكة: ألاّ تنزل داراً من دورك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار" أي: ما ترك لنا داراً حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل فيّ من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة فيّ. وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثاً، وهو قول ابن زيد. فمعنى ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد فيّ قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَقُومُ رَبّ العَالَمِين فَيَجْعَلَ قَدَمَهُ فِيها فَتَقُول قَط قط ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] [أي] سابقة خير. ومن روى الحديث "حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارَ فِيها قَدَمه"احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. وقال أبو هريرة: "اخْتَصَمَت الجَنَّة وَالنَّار، فَقَالَتْ: الجَنّة مَا لِي إِنَّمَا يَدْخُلُنِي فُقَرَاء المُسْلِمين وَسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون". فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. * * * ثم قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. * * * ثم قال ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه أيها المتقون. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. وقيل هو المسبِّح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبِّح، وهو قول مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن الشعبي. (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. وقال ابن زيد الأواب الثواب. قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. * * * ثم قال: ﴿مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ "من" بدل من "أواب" أو من "كل"، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. * * * ثم قال ﴿ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ﴾ أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. * * * ثم قال ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ﴾ أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. * * * ثم قال ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.