الباحث القرآني

قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ إلى آخر السورة الآيات. أي: وكثيراً من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد من قريش بطشاً. * * * ثم قال: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصاً) من الموت فلم يجدوا منه مخلصاً. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. قال الفراء: ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف "كان" للدلالة. وقرأ يحيى بن يعمر فنقِّبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصاً من الموت. وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على (قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على "بطشاً". * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. قال قتادة: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه محله. * * * ثم قال: ﴿أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول أبن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من نعمة محمد ﷺ، وهو قول معمر. وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. * * * ثم قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من إعياء. روي: أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي ﷺ ما يريدون فغضب، فأنزل الله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفِراء على الله جل ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. قال مجاهد: ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ من نصب. وقال قتادة: من إعياء. واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوباً: إذا تعب. * * * ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]. * * * وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾. قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو قول ابن زيد. قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني صلاة العتمة. وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. * * * وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾. قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي الله عنه. وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو على الندب. وعن ابن عباس: ﴿وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ﴾ هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم علامة الصبح. وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. * * * ثم قال: ﴿وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. * * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ﴾ أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. * * * ثم قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. * * * ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعاً. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: جمعهم جمعا علينا سهل. ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. قال الفراء: "وضع الجبَّار في موضع السلطان من الجبرية". ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن العرب لا تأتي بفعال من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعَّال من أفعلت، وهو درّاك من أدركت، وهو شاذ. وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبَّار من هذا. وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. * * * ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.