الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ الآيات. معناه أن عذاب ربك يا محمد لحال بالكافرين في يوم تمور السماء موراً: أي: تدور وتتحرك. قال مجاهد: تمور مَوْراً: تدور دوراً. قال قتادة: مورها: تحركها. وقال الضحاك: مورها: استدارتها وتحركها لأمر الله عز وجل موج بعضها في بعض. وقال ابن عباس: مورها: تشققها. وقيل: معنى تمور: تَتَكَّفأ كما تَتَكفَّأ السفينة حتى تذهب فلا تكون شيئاً، وتسير الجبال عن أماكنها كما تسير السحاب. وقيل: ﴿وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً﴾، أي: تسير عن أماكنها من الأرض، فتصير هباءً منبثاً. * * * ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فالواد السائل من قيح وصديد في جهنم لهم، ودخلت الفاء في "فويل" لجواب الجملة التي قبلها؛ لأن الجملة فيها إبهام، فشابهت الشرط فجوبت بالفاء كما يجاب الشرط. * * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: في فتنة واختلاط في الدنيا غافلين لاهين عما هم صائرون إليه. * * * ثم قال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون ويرهقون إليها دفعاً. * * * وقوله: ﴿هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ يقال هذه النار التي كنتم تكذبون وتجحدون، أي: ترِدونها وتصلونها. * * * ثم قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يقال لهم يوم القيامة حين يعاينون العذاب، [أفسحر هذا الذي وردتموه أم أنتم لا تعاينونه وهذا الكلام معناه التوبيخ والتقريع]، وتحقيق العطف أن معناه: "بل أنتم" فهو خروج من أمر إلى أمر، أي: لا تبصرون الحق، وقد كانوا يبصرون، لكنه توبيخ لهم وتقريع وتوقيف على صحة ما كانوا يكذبوا به من النار، فهو من بصر القلب لا من بصر العين. * * * ثم قال: ﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ﴾ أي: ذوقوا حر هذه النار فاصبروا على ألمها وشدتها أو لا تصبروا على ذلك، سواء عليكم أصبرتم أم جزعتم، لا بد لكم من الخلود فيها مجازاة لكم بأعمالكم في الدنيا وكفركم بالله سبحانه فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عنهم دليله قوله بعد ذلك: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: سواء عليكم الجزع والصبر. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين ونعيم في الآخرة. وقال الحسن: ﴿ٱلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما أفترض عليهم. وقال ابن عباس: إنما سمي المتقون المتقين لأنهم ذكروا الله عند طاعته فأخذوا بها تقية له، وذكروه عند معصيته فتركوها تقية له. قال ميمون بن مهران: [لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه]. وقال الحسن: من اتقى الشرك فهو متق، ولو زاد الحسن في قوله "والكبائر" لكان قولاً مختاراً. وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه في مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراماً فيكون حجاباً بينه وبين الحرام، فأن الله قد بين للعباد ما هم صائرون إليه. وقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]، فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الخير أن تفعله. وقوله ﴿فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. أي: عندهم فاكهة كثيرة. تقول العرب: هو رجل تامر ولابن: إذا كان عنده تمر كثير ولبن. وقيل معنى فاكهين: طيبي الأنفس، ضاحكين بما أعطاهم ربهم في الآخرة من النعيم وبما دفع عنهم من عذاب النار. * * * ثم قال: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي: يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة هنيئاً، لا تخافون انتقالاً ولا موتاً ولا هرماً ولا مرضاً جزاء لهم بعملكم في الدنيا. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [أي]: على نمارق وعلى سرر جعلت صفوفاً. وترك ذكر "النمارق" لدلالة الكلام عليها . * * * ثم قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: جعلنا للذكور من هؤلاء، المتقين أزواجاً بحور عين قربناهم بهم. والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة. والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن سعة. قال الضحاك: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾، بيض حسان العيون . والحَوَرُ في اللغة: البياض، ومنه قيل الحواري، وقيل: للقصار حوار، ولصفوة الأنبياء حواريون. ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾: تمام عند نافع. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال ابن عباس: هو المؤمن (يرفع الله ذريته) لتقر بذلك عينه وإن كانوا دونه في العمل. وعن ابن عباس أنه قال: المؤمن تتبعه ذريته بإيمان يلحق الله به ذريته الصغار التي لم تبلغ الإيمان. وروى عبادة بن الصامت عن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده إن أطفال المسلمين ليقدسون حول العرش، ويسبحون، ويحمدون الله، وما من أحد أكرم على الله عز وجل منهم، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تبارك وتعالى: ادخلوا الجنة فيقولون: ربَّنا وآباؤنا، فيقال لهم ويقولون ثلاث مرات: وآباؤنا فيقول الله عز وجل في الثالثة: ادخلوا الجنة وآباؤكم معكم. * * * قوله: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي: ولم ينقص الآباء من عملهم شيئا. وقال الضحاك معناها: من أدرك ذريته الإيمان فعمل بطاعتي ألْحقتهم بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار أيضاً على ذلك. وقال ابن زيد بمثل هذا القول إلا أنه جعل الهاء، والميم في ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ من ذكر الذرية، فالمعنى عنده: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بالإيمان [ألحقنا بالذرية] أبناءهم الصغار الذين لم يلحقوا الإيمان ولم يبلغوا العمل. وقيل المعنى: إن الله عز وجل ذكره ليضل (الذرية الجنة) بعمل الآباء إذا كانوا مؤمنين من غير أن ينقص الآباء من أجرهم شيئاً، قاله عامر وابن جبير. وقال النخعي: يعطي الله ذرية الرجل إذا اتبعوه على الإيمان من الأجر مثل ما أعطاه الآباء من غير أن ينقص الآباء شيئاً من أجرهم. وقاله الربيع. وقال قتادة: عملت الذرية بطاعة الله، فألحقهم الله بآبائهم وما نقص الآباء من أجورهم شيئاً. * * * ثم قال: ﴿كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي: كل إنسان مرتهن بما عمل من خير وشر، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. * * * ثم قال: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: أمددنا هؤلاء الذين اتبعتهم ذريتهم بإيمان مع ذرياتهم بفاكهة وبلحم مما يشتهون من اللُّحمان. * * * ثم قال: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً﴾ أي: يتعاطون في الجنة كأس الشراب، ويتناولونه بينهم. لا لغو في الكأس: أي: لا يلغو من شربها كما تفعل خمر الدنيا. ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ أي: ولا يأثم من شربها كما يأثم من شرب خمر الدنيا. وقيل: التأثيم هنا: الكذب، واللغو: الباطل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.