الباحث القرآني

قوله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ إلى قوله ﴿كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ﴾ الآيات. * * * ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد بينا وسهلنا القرآن لمن أراد أن يذكر ويتعظ، فهل من طالب علم فيعان عليه. * * * ثم قال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ [أي] كذب قوم صالح بنذر الله (التي أتتهم) من عنده، فقالوا مكذبين لرسولهم صالح ﴿أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ أي: نحن الجماعة الكثيرة كيف نتبع بشراً واحداً. ﴿إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ أي: إن أتبعناه لفي ذهاب عن الصواب وسعر: أي: وعناد، قاله قتادة. وقيل: وسعر: وجنون. * * * ثم قال ﴿أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ هذا إخبار من الله جل ذكره عما قاله قوم صالح، أي: قالوا أأنزل الوحي عليه من بيننا على طريق الإنكار. ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: كذاب لا يبالي ما قال. وأصل الأشر: المرح والبطر، قال الله عز وجل ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ﴾. أهم أم هو، بل هم الكذابون الأشرون، وهذا تهدد ووعيد من الله لهم ولمن فعل فعلهم. وقرأ أبو قلابة ﴿ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ﴾ بالتشديد وفتح الشين ولا يجوز مثل هذا في الأولى لأنه لا يقال منه أفعل، وإنما جاز في الثاني لأنه من قولهم: زيد الأشر (ومَنْذِزٌ لِشَر) كما يقال: (الأْخَيرُ وَاُلَخُورَى). وقرأ ابن جبير ومجاهد: "من الكذاب الأشر" بضم الشين والتخفيف، وهي لغة في الأشر. كما يقال رجل "خَوِرُ وَخَورً". ثم قال تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ أي: باعثوا الناقة التي سألها ثمود صالحاً آية لهم وحجة (من الله) لصالح ابتلاء لهم واختباراً هل يؤمنون به أو يكذبونه. * * * ثم قال ﴿فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ﴾. هذا أمر من الله لصالح، أي: فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون بالناقة، واصبر على ارتقابهم ولا تعجل. وكان ابتلاؤهم في ذلك أن الناقة خرجت لهم من صخرة صماء فآمن بعضهم، وكانت عظيمة كثيرة الأكل . فشكوا ذلك إلى صالح وقالوا قد أفنت الحشائش والأعشاب ومنعتنا من الماء، فقال ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، ترد الماء يوماً وتردون يوماً، فكانت هذه الفتنة، وهو قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: وخبر (قومك يا صالح) أن الماء يوم لهم يشربون ويتزودون، ويوم للناقة ترد فيه. وقيل المعنى أن الماء يوم غِبّ الناقة قسمة بينهم يشربون ويتزودون. ثم قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ أي: كل حظ من الماء يحضره من هو له. وقيل المعنى: كل من له الماء يوماً يحضره، وتحضره الناقة يوماً. وقال مجاهد: يحضرون يومهم، ويحضرون اللبن يوم الناقة. * * * ثم قال: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ [أيٍ] فنادت ثمود صاحبهم قَدَاراً عاقر الناقة لعقرها فحضوه على ذلك فتناول الناقة فعقرها. قال ابن عباس تناولها بيده، ويقال إنه كان ولد زينة، وهو من التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الذين قالوا، لصالح ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. فمعنى فتعاطى: أي: فتناول الفعل ففعل فقتلها، وهو من قولهم: عطوت: إذا تناولت. كما قال أمرؤ القيس: ؎ (وَتَعْطوُ بَرخص غير شَتْنٍ كأنه ∗∗∗ أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحَل). وفي الحديث: أن عاقر الناقة كان عزيزاً (منيعا كأنه رفعة) * * * ثم قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هذا الخطاب لقريش [أي] فكيف كان عذابي إياهم وإنذاري لهم. وقيل معناه: وإنذاري لكم أَنّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، وقد تقدم خبر عذابهم كيف كان. وقوله ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ﴾ أي: فكان قوم صالح لما أخذتهم الصيحة صاروا رفاتاً كهيئة الشجر المحتظر بعد (نعمته وغضارته). وقيل معناه: فصاروا كالعظام المحترقة، قاله ابن عباس. وقيل صاروا كالتراب المتناثر من الحائط في يوم ريح: قاله ابن جبير. وقال ابن زيد صاروا كهشيم حظيرة الراعي التي تتخذ الغنم فتيبس فتصير هشيماً. وقال مجاهد: صاروا كهشيم الخيمة وهو ما تكسر من (خشبها). وقال سفيان (هو ما يتناثر من الحصير إذا ضربتها بالعصا. وحقيقة الهشيم أنه فعيل بمعنى مفعول أي: مهشوم وهو ما يبس وتحات من ورق الشجر، والمحتظر بكسر الظاء: الذي يحتظر على الهشيم، أي: يحوزه ليجمعه ويحظر عليه ليمنع من أخذه، فهو محتظر بكسر الظاء، والهشيم محتظر بفتح الظاء وصف له.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.