الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ إلى قوله ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ إلى ﴿مُّنقَعِرٍ﴾ الآيات أي: ولقد جاء قريشاً من الأخبار والقصص والوعد والوعيد ما فيه متعظ لهم. * * * ثم قال ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ يعني القرآن. ﴿فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ﴾ أي: فليست تغن النذر لإعراضهم عنها. والنذر جمع نذير أو بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون "ما" استفهاما. والمعنى فأي شيء يغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. ثم قال فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر أي: فأعرض عنهم: تم الكلام على قوله ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، ثم ابتدأ فقال ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ أي: منكر يخرجون من الأجداث. "فيوم" منصوب" بأذكر يوم تخرجون. والأجداث: القبور. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ كأنهم في انتشارهم من القبور إلى موقف الحساب جراد منتشر. وقوله ﴿خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ حال من الضمير في (يخرجون من قبورهم) فينتشرون لموقف العرض يوم يدع الداع خشعا إبصارهم، أي هي ذليلة خاضعة، ولا يجوز أن يكون حالا من المضمر في عنهم، لأن الأمر بالتوالي في الدنيا، والإخبار بخشوع أبصارهم بعد بعثهم. وقوله ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ وقال في موضع آخر ﴿يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٣] فذلك صنفان مختلفان، وإنما ذلك لأن كون ذلك في وقتين مختلفين أحدهما عند البعث بالخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها نشبههم عند ذلك بالفراش لأن الفراش لا جهة له يقصدها، وإنما هي بعضها في بعض فلا يزال الناس كذلك حتى يسمعوا المنادي يدعوهم فيقصدونه، فتصير لهم وجهة يقصدونها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد المنتشر، وهكذا الجراد لها (وجهة تقصدها) وهي منشرة. ويروى أن مريم سألت ربها أن يطعمها لحماً لا دم فيه فأطعمها الجراد فدعت للجراد فقالت: اللهم أعشها بغير رضاع (وتابع بنيها بغير شياع، أي: بغير دعاء بينها). ثم قال ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ﴾ قال قتادة: عامدين. وقال أبو عبيدة: مسرعين مقبلين خائفين. ولا يكون الإهطاع إلا مع خوف، ويقال: هطع وأهطع بمعنى أسرع مقبلاً خائفاً. وقال سفيان شاخصة أبصارهم إلى السماء. وقال ابن عباس ناظرين. ﴿يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي: شديد هول المطلع. * * * ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذب قبل قومك قوم نوحا. ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ يعني نوحاً. ﴿وَقَالُواْ مَجْنُونٌ﴾ أي: هو مجنون. وقوله ﴿وَٱزْدُجِرَ﴾ أي: زجروه بالشتم والوعيد والرجم. قال ابن زيد اتهموه وزجروه وأوعدوه، وقالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين. وقال الحسن قالوا مجنون وتوعدوه بالقتل. ثم قال ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ أي: قال يا رب قد غلبت وقهرت فانتصر لي منهم بعذاب من عندك. قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ أي: مندفع منصب. * * * ثم قال ﴿وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله وقضاه في اللوح المحفوظ. ثم قال ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ أي: وحملنا نوحا إذا التقى الماء على سفينة ذات ألواح ودسر. والدسر: المسامير، وهو جمع دسار. وقيل الدسر: صدر السفينة لأنها تدفع الماء بصدرها: [أي] تدسره قاله الحسن. وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال الضحاك الدسر: طرف السفينة، وأصل الدّسْر: الدّفع. * * * ثم قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأى منا ومبصر. وقوله ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لنوح للذي كفر بالله فيه. وقيل "من" بمعنى "ما" والمعنى: جزاء لمن كان كفر بنعم الله وأياديه. وقال مجاهد: معناه (جزاء الله لأنه كفر به). وقيل معناه جزاء لنوح ولمن آمن به لأنهم كفروا بهم، فتوحد "كفر" على هذا على لفظ "من". ثم قال ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ أي: تركنا السفينة آية وعبرة لمن بعد نوح. وقال قتادة رفعت السفينة على الجودي حتى رآها أوائل لهذه الأمة. قال مجاهد: إن الله جل ذكره حين غرق قوم نوح جعلت الجبال تشمخ، وتواضع الجودي فرفعه الله عز وجل على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه. وقيل معناه: ولقد تركنا هذه الفعلة آية. ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. أي: فهل من متعظ يخاف أن يناله من العقوبة مثل ما نال قوم نوح. ثم قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: وإنذاري، وهذا تحذير من الله لمن نزل عليه القرآن وكفر به أن يصيبه مثل ما أصاب قوم نوح. ثم قال ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلناه وبيناه وفصلناه لمن يريد أن يتذكر به ويعتبر. وقيل معنى: فهل من مذكر: هل من طالب علم فيعان عليه: وقال محمد بن كعب معناه: هل من مذكر عن معاصي الله. قال ابن زيد يسرنا: بينا. وقال مجاهد: يسرنا: هونا. وقيل معناه: فهل من طالب علم أو خير فيعان عليه. * * * ثم قال ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ أي: كذب أيضاً عاد هوداً نبيهم فيما أتاهم به. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (أي عذبتهم لذلك، وأهلكتهم، فلتحذر قريش ان يصيبهم بتكذيبهم محمدا مثل ما أصاب قوم هود. * * * ثم قال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي: ريحاً شديدة العصوف باردة لها صوت، وأصله صَرَرً فأبدل من أحدى الراءات ماداً، فكبْكِبُوا من كَبَبَ. قوله ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ أي: في يوم شر وشؤم لهم (استمر بهم فيه البلاء) والعذاب إلى أن (أوفى بهم العذاب). قال قتادة استمر بهم إلى نار جهنم. * * * ثم قال: ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي: تقتلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتندق رقابهم وتبين من أجسادهم. قال ابن إسحاق: لما هبت الريح قام سبعة من عاد فقالوا نرد الريح، فأتوا ضم الشعب الذي منه تأتي الريح، فوقفوا عليه، فجعلت الريح تهب وتدخل تحت واحد منهم ثم تقلعه من الأرض فترمي به على رأسه فتندق رقبته، ففعلت ذلك بستة منهم كما قال الله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾، وبقي رجل اسمه الخلجان، فأتى هوداً فقال يا هود ما هذا الذي أرى في السحاب كهيئة البخاتي، قال تلك ملائكة ربي، [قال مالي إن أسلمت، قال: تسلم!، قال أفينقذني ربك من هؤلاء، قال: ويلك أرأيت ملكاً ينقد من جنده]، فقال وعزته لو فعل ما رضيت، قال ثم مال إلى جانب الجبل فأخذ بركن منه يهزه، فاهتز في يده ثم جعل يقول: ؎ أَلاَ لَمْ يَبْقَ إِلاّ الخِلْجَانَ نَفْسُه ∗∗∗ يَالَك من يوم دَهَاني أَمْسُه. ؎ بِثَابِتِ الوَطء شديدٍ أَمْسُه ∗∗∗ لو لم يجِئني جِئته أَجُسه. ثم هبت الريح فحملته، فألحقته بأصحابه. (وروي عن أبي هريرة أنه قال أن كان الرجل ليغمز قدميه فيدخل في الأرض) من قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمس مائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، وأن كان الرجل (ليغمز قدميه فتدخل في الأرض). وقوله ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي: تنزعهم من الحفر التي كانوا حفروها كأنهم أعجاز نخل منقعر. قال الطبري في الكلام حذف، والتقدير: تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل، "فالكاف" على هذا في موضع نصب بالمحذوف. وقال الزجاج وغيره "الكاف" في موضع الحال، أي: تنزع الناس مشبهين بأعجاز نخل. ومعنى "منقعر" أي: منقلع من قعره. (وقال الحسن لما جاءت الريح إلى قوم هود قاموا إليها فاستقبلوها وأخذ بعضهم بيد بعض). (وركزوا أقدامهم في الوادي، وقالوا لهود من يزيل أقدامنا عن أماكنها إن كنت صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح فنزعت أقدامهم كأنهم أعجاز نخل منقعر). قال مجاهد: بانت أجسامهم من رؤوسهم فصاروا أجساماً بلا رؤوس. وقيل التشبيه هنا إنما هو للحفر التي كانوا فيها قياما، صارت الحفر كأنها أعجاز نخل وهذا قول ضعيف، ولزم هذا القائل أن يقول "كأنهن".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب