الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ جَآنٌّ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الآيات. أي: فإذا انفطرت السماء وذلك يوم القيامة وكان لونها كلون الفرس الورد الأحمر. قال ابن عباس فكانت وردة كالدهان: كالفرس الورد. وقال الضحاك تتغير السماء فيصير لونها كلون الدابة الوردة. ومعنى كالدهان: كالدهن صافية، قاله سجاد والضحاك. وقال أبو الجوزاء تكون كصفاء الدهن. وقال زيد بن أسلم تكون كعكر الزيت. "والدهان" جمع "دهن"، وقيل الدهان الجلد الأحمر. ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم شرحه. ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي: لا تسأل الملائكة أحداً عن ذنوبه، لأن الله عز وجل قد حفظها [عليهم] وأحصاها فليس يؤخذ علمها من عندهم. قال ابن عباس معناه: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا أسأل بعضهم عن ذنوب بعض وهو مثل قوله ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] وهو مثل قوله تعالى لمحمد ﷺ ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] على قراءة من رفع. وقال مجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم الله على السنة القوم فتكلمت ايديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكأنها مواقف مختلفة على قول قتادة. وقال قتادة: أيضاً هم معروفون بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم. ودل على صحة (هذا التفسير) أن بعده يعرف المجرمون بسيماهم. والسيماء: العلامة وهو قول الحسن أيضاً. * * * ثم قال ﴿يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: تعرف الملائكة المجرمين بعلامتهم وذلك سواد وجوههم، وزرقة الأعين، قاله أهل التفسير كلهم. وقوله ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ أي: مجمع (بين رجلي الرجل) وناصيته حتى يدق ظهره ثم يلقى في النار، فذلك أشد لعذابه وأعظم في التسوية به. قال ابن عباس يجمع بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور. * * * ثم قال ﴿هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ أي: يقال لهم هذه جهنم التي كنتم (بها تكذبون). وفي قراءة ابن مسعود هذه جهنم التي [كنتما] بها تكذبون، تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان مخاطبة للكفار من الجن والإنس. ثم قال ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: يطوف هؤلاء المجرمون في جهنم بين أطباقها. * * * ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: وبين ماء قد أسخن وأغلى حتى انتهى حره ونضجه. [وقال الضحاك: بلغ غليه، وعنه أيضاً قد انتهى نضجه منذ خلق الله السماوات والأرض. وقال ابن زيد: الآني: الحاضر. وقال الحسن ما ظنك بأقوام وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم وأجوافهم من العطش والجوع أمر بهم إلى نار جهنم]. ثم قال ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. أي: ولمن اتقى الله جل ذكره، وخاف مقامه بين يدي ربه عز وجل فأطاعه بستانان. قال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر مقام ربه فينزع منه، وهو قول النخعي وقتادة. وقال أبو الدرداء قرأ رسول الله ﷺ يوماً هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت وإن زنا وسرق يا رسول الله [فقلت كذلك إلى ثلاث مرات فقال النبي ﷺ] وإن رغم أنف أبي الدرداء. قال ابن زيد مقامه حين يقوم العباد بين يديه [يوم] القيامة. فالمعنى ولمن ترك المعصية خوفاً من الله جنتان، قيل هما جنة خلقت له وجنة ورثها كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال هل تدرون ما الجنتان قالوا الله ورسوله أعلم. فقال بستانان في أرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز (نعمة وخضرة) قرارها ثابت وشجرها ثابت. ثم قال ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ هذا نعت للجنتين. قال ابن عباس: ذواتا ألوان. وقال عكرمة ذواتا أفنان: ظل الأغصان على الحيطان، وهو قول مجاهد والضحاك. وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة. وعن مجاهد معناه: ذواتا أغصان. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال يتماس أطراف شجرها، أي: يمس بعضه بعضا كالمعروشات. وقال قتادة: ذواتا أفنان: يعني فضلهما وسعتهما على ما سواهما. وقال معمر ذواتا فضل على ما سواهما. والأفنان في اللغة: الأغصان، والواحد "فنن" على قول أكثرهم إلا الضحاك فإن الواحد على قوله "فن" ويلزم أن يجمع على قوله على فنون لأنه قال ذواتا أفنان، ذواتا ألوان من الفاكهة. * * * ثم قال ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي: في الجنتين عينان تجريان يقال إن حصباهما الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحصاتهما المسك الأذفر وحافاتهما الزعفران. (قال مسروق في صفة الجنة أنهارها تجري في غير أخدود، ونخلها نضيد من أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال كلما أخذ منها تمرة عادت مكانها أخرى، طول العنقود اثنى عشر ذراعاً). ثم قال ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي: في الجنتين من كل نوع من الفاكهة نوعان وضربان. * * * ثم قال ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: ينعمون متكئين على فرش، ودل الكلام على هذا الفعل وهو العامل في الحال ذكره المبرد. وقيل العامل معنى الملك في قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهو محمول على المعنى، ولو دل على اللفظ لقال متكئاً. والاستبرق عند العرب: الديباج الغليظ الذي يعلو على الكعبة. وقيل هو الخز الموشي هذا هو البطائن. ولم يذكر تعالى ذكره الظواهر، إذ ليس في الدنيا من يعرف قدرها. قال ابن مسعود قد أخبرتم بالبواطن فكيف لو أخبرتم بالظواهر. وقيل لابن جبير هذه البطائن من استبرق، فما الظواهر؟ قال هذا مما قال الله جل ثناءه فيه ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وفي الحديث "ظواهرها بدر يتلالا". وصغر سيبويه استبرق على أبيرق، وأن السين والتاء زائدتان والألف بمنزلة ميم مستفعل، لأن الهمزة [تكون] زائدة أولاً في بنات الأربعة والخمسة، إنما تكون زائدة أولاً في بنات الثلاثة. وقال الفراء تصغيره "تَبَيْرق" فحذف السين والهمزة. ثم قال ﴿وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أي: وثمر الجنتين قريب من آخذه ومجتنيه يجتنيه كيف يشاء قائماً وقاعداً وراقداً. قال قتادة: ثمارها دانية لا يرد أيدهم عنده بعد ولا شوك. وقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يقطع رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله جل ثناؤه مكانها خيراً منها وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: نخل الجنة خشبها ذهب كرنفها زمرد أخضر وثمرها أمثال القلال أحلى من الشهد، والين من الزبد لا عجم لها. وقال أبو عبيدة عن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود نخلها نضيد من أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال. كلما أخذت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، طول العنقود منها أثنى عشر ذراعا. * * * ثم قال ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ﴾ أي: في الفرش. وفي بمعنى على، والمعنى: على الفرش حور قاصرات الطرف. وقيل المعنى: في الجنتين وفيما أعد له قاصرات الطرف: فلذلك جمع "فيهن" ويجوز أن تكون الجنتان تشتمل على جنات، فجمع "فيهن" على المعنى، ألا ترى أن الجنة التي أمد الله عز وجل لأوليائه تشتمل على جنات قد تقدم ذكرها وقد قال تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤]. ثم قال ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣]، فأبدل من الجنة جنات لأنها تشتمل على جنات. وقيل هو جمع أتى في موضع التثنية ، كما قال ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وله نظائر تقدم ذكرها. وقال الفراء كل موضع من الجنتين جنة، فلذلك قال ﴿فِيهِنَّ﴾. ومعنى ﴿قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ﴾ أي: قصر أطرافهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم من الرجال. قال ابن زيد: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن، تقول الحوراء: وعزة ربي وجلاله وجماله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك. يقال قصره: إذا حبسه. فالمعنى فيهن حور حابسات طرفهن عن جميع الرجال إلا من أزواجهن. روى أنه عني بهن الآدميات اللواتي يمتن أبكارا، ودليل هذا قوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ﴾ يعني في الدنيا لم يدمهن، لم يفتضضهن إنس قبل أزواجهن في الجنة ولا جان. حكى الفراء طمثها يطمثها إذا أفتضها، ولا يكون إلا بتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث. وقال غير الفراء يقال طمثها: إذا وطئها على أي الوجوه كان. قال عكرمة: لم يطمثهن: لم ينكحهن، والطمث: الجماع. قال ابن عباس: لم يطمثهن، لم يدمهن، فإن قيل كيف ذكر الجان في الوطء، فالجواب أن مجاهداً قال إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إِحْلِيلِه فجامع معه. واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الجن يدخلون الجنة، فالإنسيات للإنس والجنيات للجن، قاله (ضمرة بن حبيب). وهذه الآية أيضاً تدل على أن الجن يطئون. ثم قال ﴿كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾ أي: كأن هؤلاء الحور الياقوت في صفائه يرى مخها من فوق لحمها وحللها كما يرى السلك في داخل الياقوتة وكأنهن اللؤلؤ في بياضه، هذا قول ابن عباس والحسن وابن زيد وسفيان وغيرهم. وقيل المعنى هن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ وحمر المرجان من رقة البشر. وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "أن المرأة من الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ومخها، وذلك أن الله قال ﴿كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾ فأما الياقوت فإنك لو أدخلت فيه سلك لرأيته من ورائه وعنه ﷺ أنه قال "من دخل الجنة فله فيها زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء ثيابهما
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.