الباحث القرآني

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.