الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات. أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه. وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا). وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى". * * * وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل. * * * ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية. أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه. ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه. قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين. وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي. ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات. وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته. * * * وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة. * * * ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره. ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة. * * * ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه. * * * ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله. * * * ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا. * * * ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات). * * * ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة. * * * ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية. أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به. * * * ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى. * * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾. أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم. وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يعني القرآن. * * * ﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾. أي من الكفر إلى الإيمان. وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. * * * ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية. أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل. وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره. * * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق. قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم. وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك. وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.