الباحث القرآني

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات. أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه. وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية. فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم. وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها. وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد. وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية. وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١]. هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون". ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة. وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾. أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار. * * * ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن. وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة. ﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها. (ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال: ﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله. * * * ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله. قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾. أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر. * * * ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾. أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب. "من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها. قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر. وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس. وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها. * * * وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير. قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون. * * * ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾. أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية. قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم. فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي). * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس. وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه. * * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾. أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به. وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه. * * * قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.