الباحث القرآني

قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات. قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه. روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾. وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له. وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع. فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل. وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم. ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء. قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة. وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة. * * * ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده. ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به. * * * ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل). * * * ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم. ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا. ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم. ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم. والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف. ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين. وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز. * * * ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه. قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه. وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع. * * * ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره. ﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك. وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر). والأرض المقدسة: المطهرة. وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط. * * * وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات. * * * وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره. وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس. * * * وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد. وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ. وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء. * * * وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم". وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر. وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد. * * * وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه. وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء. * * * وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء. وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك. * * * ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها. * * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.