الباحث القرآني

قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات. أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش. قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء. روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى. وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية. وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة. روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة. والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال. وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود. وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾. أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم. ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار. قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية. ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم. وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار. قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم). * * * ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك. * * * ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾. يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك. قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين. ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم. وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة. وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين. وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط. * * * ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد. * * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾. أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان. ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة. * * * ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾. يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض). * * * ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر. وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق. وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود. وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب. * * * ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر. وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير. ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم. * * * ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.