الباحث القرآني

قوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ الآية. قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها. وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن فرعون: ﴿إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه رآه، لأن الغرق ليس مما يُرى، فليس الإدراك هو الرّؤيةَ، وقد يرى الشيءُ الشيءَ ولا يُدرِكه، كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، وكان أصحاب فرعون قد رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيَّه أنهم لا يُدرَكون بقوله: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ [طه: ٧٧]، ولذلك قال لهم موسى: (كَلاّ) أي: ليس يُدرِكونا، فليس (قوله): ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار. وإنما معناه: لا تحيط به الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به. وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره. والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي عليه السلام، وهو معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ما خص ذكر الكفار بالحجاب. وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن المؤمنين غير محجوبين عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: "عن رحمة ربك" وقال في (الآية الأخرى): "إلى رحمة ربها ناظرة"، فهو قول متقاحم بالباطل، مُدَّعٍ ما ليس لفظُه في الكلام، مُخرِج للخطاب عن ظاهره، متكلِّف إضمارَ ما ليس في الكلام عليه دليل، ألْجَأَهُ إلى ذلك كله نَصْرُ باطله (بباطل مثله)، أعاذنا الله من ذلك كله. وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتُكيّفه إذ ليس كمثله شيء متوهّم محدود. * * * قوله: ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ): (ٱللَّطِيفُ)﴾: مشتق من اللطف وهو التأني يقال: "أُلطُفْ لِفُلانٍ في هذا الأمرِ"، أي: "تأن له" من وجه يَخلُص (منه) إلى بغيته، (فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما يصلحهم. وقيل: ﴿ٱللَّطِيفُ﴾ هو الذي فعل أفعالاً لطيفة، و ﴿ٱلْخَبِيرُ﴾: العالم بالشيء. فهو لطيف لإِحْكامهِ الخَلْقَ، وهو العظيم، لأنه خلق الخلق العظيم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب