الباحث القرآني

قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ﴾ الآية. المعنى: أن الله جل ذكره لمّا نزّل في "الشعراء" ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، أقسم كفار قريش: ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربَّك أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك. وقيل: معنى الآية: أن الكفّار سألوا النبي ﷺ أن يأتيهم بآية، وحلفوا ليؤمنن إِنْ أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا، (فأنزل الله): وما يشعركم أيُّها المؤمنون بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) مستأنفاً مخبراً عنهم - بما يفعلون لو نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا معنى الكسر، وهو الاختيار عند أكثر النحويين. وهذه الآية هي التي توعّدوا بها في الشعراء في قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فقال الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ وهو القادر على إنزالها. والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً. فسأل النبي ﷺ في ذلك، فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح ذهباً، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك لَيُعذِبَنّهم الله، وَ (إِنْ) شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال النبي ﷺ: "بل يَتوبُ تائِبُهم"، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ الآية. ومن قرأ بالتاء، فإنما هو خطاب للمشركين الذي سألوا الآية، ويحتمل وجهين: - أحدهما: أن تكسر (إِنّ) على معنى: وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار عما سبق في علمه، وعِلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال: إنها إذا جاءت لا تؤمنون أيها المشركون. - ويحتمل أن تفتح (أنَّ)، ويكون المعنى: وما يُشعركم - أيُّها المشركون - أنها إذا جاءت تؤمنون؟، وتكون (لا) زائدة. ومن قرأ بالياء فهو خطاب للمؤمنين الذين سألوا النبي أن يسأل آية ليؤمن المشركون عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل معنيين: أحدهما: فتح (أنَّ) ويكون المعنى: وما يشعركم - أيُّها المؤمنون - أنَّها إذا جاءت يؤمنون؟، أي: (ما) يدريكم أنَّهم يؤمنون إذا نزلت الآية. وتكون (لا) زائدة. - والوجه الآخر: أن تكون (إنِّ) مكسورة، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المؤمنون - ذلك. ثم استأنف فقال: ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُون﴾، يخبر بما يكون لو فعل بهم ذلك. ويجوز في القراءتين جميعاً - الياء والتاء - أن تكون (أنَّها) - إذا فتحت - بمعنى "لعلها"، وتكون (لا) غير زائدة. والياء اختيار الطبري مع فتح (أنَّ) بمعنى "لعلها". ولو فتحت (أنَّها) ولم تقدر زيادة (لا) ولا كون (أنَّها) بمعنى "لعلها"، لكان ذلك عذراً لهم. ولا يتم فتح (أنَّها) إلا بأحد وجهين: - إمَّا أَنْ تقدرها بمعنى "لعلها" - أو تقدر زيادة (لا). فاعلم ذلك. وقد حكى الخليل عن العرب: "ائت السوق أنَّكَ تشتري لنا"، أي: لعلك. وسمع الكسائي رجلاً يقول: "ما أدري أنه صاحبها"، أي: لعله. وسمع الفراء أبا الهيثم العُقيلي يقول: "أنَّها (تركته لفاقة حاله)"، يريد "لعلها تركته". وفي قراءة أُبيّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وفي حرف عبد الله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا (جَاءَتْ) لاَ يُؤْمِنُونَ). ومن قدر زيادة (لآ) هنا، أوقع ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ على ﴿أَنْ﴾ ففتحها، ويجعل (لا) صلة كهي في قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، المعنى: حرام عليهم أن يرجعوا، ومثله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. قال الفراء: العرب تجعل "لا" صلة في كل كلام دخل في آخره (أو في أوله) جحد، أو في أوله جحد غير مصرح. وقيل: في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون. ثم حذف الأخير لدلالة الأول عليه، فيِعمل (يُشْعِرُكُم) في (أَنَّها)، ويفتح (أَنَّ)، ولا يقدر زيادة (لا)، ولا يقدر (أنَّها) بمعنى "لعلها"، ولا تكون عذرا لهم. (والوقف على (يُشْعرِكُم) في قراءة من كسر (إنّ)، وفي قراءة من فتح على تقدير "لعلها" حسن، ولا يحسن الوقف على (يُشعِركم) على غير هذين الوجهين).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب