الباحث القرآني

قوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية. المعنى: قل لهم يا محمد: لست أجد شيئاً قد حرمه الله على آكل يأكله - فيما أوحي إليَّ من كتاب الله - إلا الميتة، والدم المسفوح - وهو الجاري السائل - ولحم الخنزير، وما ذبح للأصنام والأوثان: وهو قوله: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ (أي) إلى أكل هذا المحرم، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: (أي يبغي) الميتة، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ في الأكل. وقيل: باغ على المسلمين، من خرج لقطع السبيل، فليس له اذا جاع أن يأكل الميتة، قال ابن جبير. قال ابن عباس: من أكل الميتة غير مضَّطَر فقد بغى واعتدى. وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة. ومن قرأ (تكون) بالتاء ونصب ﴿مَيْتَةً﴾ فتقديره: إلا أن ﴿يَكُونَ﴾ المأكولة ميتة. ومن قرأ بالتاء ورفع "الميتة" جعل "كان" بمعنى "وقع"، وعطف ﴿أَوْ دَماً﴾ على (أَنْ) المستثناةِ. والرجس هنا: النجس. وفي هذه الآية خمسة أقوال: - قيل: إنها منسوخة بالسنة، لأن النبي عليه السلام قد حرّم لحوم الحَمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. والآية تدل على أنه لا محرّم إلا ما فيها. وهذا قَولٌ مَرْدودٌ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. - وقيل: إن الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها. وهو قول ابن جبير والشعبي، وبه قالت عائشة: لا حرام إلا ما في الآية. - وقال الزهري ومالك بن أنس وغيرهما. الآية محكمة، ويضم ما سَنَّهُ النبي ﷺ، فيكون داخلاً في المحرمات. والقول الرابع: إن الآية جواب لقوم سألوا عن أشياء فأجيبوا عنها، ثم بيّن النبي عليه السلام تحريم ما لم يسألوا عنه، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالنبي عليه السلام يحرم بالوحي الذي في القرآن، ويحرم بما ليس في القرآن، وعلى الناس اتباع ذلك لقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]: ولقوله: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]. وأكثرهم يرى الضبع صيداً، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس. قال عكرمة: رأيتُها على مائدة ابن عباس. وأجازه ابن عمر. وقال أبو هريرة: الضبع نَعْجَةُ الغنم. وكَرِهَهَا مالك. وقال الحسن البصري والنخعي والزهري: الثعلب سبع. وبه قال مالك، وكذلك روي عن أبي هريرة. ورخص في أكله عطاء وطاوس وقتادة والشافعي وأبو ثور. وأكثرهم على منع أكل الهَرِّ. وبه قال مالك. ورخص فيه الليث. وذكره مجاهد وطاوس ثمن السنَّوِر، وبيعه، وأكل لحمه، وأنْ يُنْتَفَعَ بجلده. وكلهم على أن ما قطع من الحي مما يؤلمه فهو ميتة. ورخص مالك رحمه الله في جواز قطع أَلْيَةِ الكبش ليُكْثِرَ لحمه، ومنع من أكل ما قطع. وكره عمر بن الخطاب إخصاء الذكور، وكذلك ابن عمر، ورخص. فيه الحسن وطاوس وعروة بن الزبير. ولم ير مالك بإخصاء ذكور الغنم بأساً، لأنه صلاح للحومها. قال ابن عمر: نهى النبي ﷺ عن إخصاء الإبل والبقر والغنم والخيل. وأكثرهم على منع أكل لحم القرد. وأجاز الشعبي أكل لحم الفيل، ولم يجزه الشافعي، ومنع من الانتفاع بعظمه. وأرخص مالك لحوم الحيات، يعمل بها الدّرْيَاقُ، وقال: تَذّكى. وكره ذلك سفيان والحسن البصري وابن سيرين. وسُئِلَ الأوزاعي عن أكل الذُبَّانِ، فقال: ما أراه حراماً. وأكثرهم على جواز شرب أبوال ما أُكِلَ لحمه. وقال مالك رحمه الله: أكره الفأر والعقارب والحيَّةَ من غير أن أراه حراماً بَيِنّاً، ومن أكل حيَّةَ فلا يأكلها حتى يذبحها. (وسُئِلَتْ عائشة رضي الله عنها عن الفأرة، فقرأت: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ إلى آخر الآية، تريد تحليلها). ولا يجوز - عند الشافعي - أكل شيء مما أبيح للمحرم قتله. وسُئِل مالك رحمه الله عن أكل الغراب والحِدَإِ، فقال: لم أدرك أحداً ينهى عن أكل ذلك (ولا يأمر بأكلها. وكره جماعة أكل الخيل، وكرهه مالك)، وأجازه جابر بن عبد الله وعطاء والحسن وغيرهم، وبه قال الشافعي وابن حنبل. وأكثرهم على إجازة أكل (لحم) الضَّبِّ والأرنب واليربوع، وهو مذهب مالك والشافعي، ووقف مالك في القنفد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.