الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ الآية. من قرأ برفع (نكذبُ) و (نكونُ) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ابتدأ على معنى: ونحن لا نكذب. هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا نكذب رُددنا أو لم نُردّ، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم لا يعودون للتكذيب ألبتة، رُدوا أو لم يُردوّا، ومثله عند سيبويه: "دعني ولا أعود": أي: وأنا لا أعود. تركتني أو لم تتركني. ومن نصب فإنما أراد أن يكون "رد" يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن رُددنا لم نعد للتكذيب. ومثله: "زرني وأزورَك"، (أي، لتكن منك) زيارة وأن أزورَك، ولو رفعت لكان المعنى: وأنا أزورُك، زُرتَني أو لم تَزرْني. ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفاً على (نُرد)، كأنهم تمنوا أن يردوا، وتمنوا (ألا) يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والأول أحسن، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا رُدوا لم يكذبوا وكانوا من المؤمنين. (والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الردّ و (ألا) نكذب، فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب واللهِ ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضاً منقطع. وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر. وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون بالفاء. وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلاً في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق (يقول): "ليتني في الجنة"، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله. وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك الحال. (والآية) عند أبي عمرو على التمني، ولا يجوز فيه صدق (ولا) كذب، وإنما كذب الله خبرهم، لا تمنيهم، وخبرهم هو قولهم: (ولا نكذب)، (ونكونُ)، (إن رددنا) فعلنا ذلك، فهذا خبر، فأكذبهم الله في ذلك الخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا في تمنيهم. أو يكون المعنى - على الرفع - (ولا نكذبُ)، (ونكونُ): أي: نفعل ذلك، رُددنا أو لم نُردّ، فهذا خبر منهم، فأكذبهم الله في ذلك، التكذيبُ إنما هو للخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا للتمني. وقال بعض النحويين: إنما يكون هذان الفعلان - في حال النصب - غير متمنَّيْن إذا كانا جواباً لِما في (ليتنا)، وتكون الواو الأولى بمعنى الفاء. فأما إن كانت الواو على جهتها، ونصبت على الظرف منويا به الحال، فالفعلان متمنَّيان، والتكذيب للتمني وقع. ومن قرأ (ولا نكذّبُ) بالرفع، ونصب (ونكونَ)، فالمعنى: أنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبرَوا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إنْ رُدُّوا إلى الدنيا. قوله ﴿وَلَوْ تَرَىٰ﴾ فعل منتظر، وقوله و ﴿إِذْ وُقِفُواْ﴾: فعلان ماضيان، وكذلك ﴿فَقَالُواْ﴾، وكلها منتظرة لم تقع. وهو حسنٌ لطيف فصيح، غاية في البلاغة، لأن كل ما هو كائن - ولم يكن بعد - فهو عند الله بمنزلة ما قد كان، لصحة وقوعه على ما أخبر به عنه، ولِنفوذِ حكم الله به، وتقديره لوقوعه على ما أخبر به، فالكائن وغير الكائن سواء في علم الله. وقوله ﴿وُقِفُواْ﴾ بمعنى: حُبسوا، و ﴿عَلَى ٱلنَّارِ﴾ بمعنى "في النار"، بمنزلة قوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملكه. وقيل: معنى ﴿وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾: أُدخلوها، كما تقول: "قد وَقفتُ على ما عندك"، أي: عَرفتُ حقيقته. وقيل: أوها. وقيل: رأوها. وقيل: جازوا عليها. و ﴿إِذْ﴾ بمعنى "إذا"، لأنه خبر لا بد أن يكون، فصارِ بمنزلة ما قد كان. يقال: "وقفتُ وقفاً للمساكين" و "وقفتُ أنا"، (وقِفْ) دابتك يا رجلُ. وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما علمت أحداً من العرب يقول: "أوقفتُ الشيء" بالألف، إلا أني لو رأيت رجلاً في مكان فقلت له: "ما أَوْقَفَكَ ها هنا؟ بالألف، لرأيته حسناً. وفي الآية معنى التعظيمِ لِما هُم فيه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب