الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ﴾ الآية. المعنى: أنه ليس طائر يطير ولا دابة إلا وقد أحصى الله عملها وآثارها وحركاتها، فهي تتصرف - كما يتصرفون - فيما سخرت له، ومحفوظاً عليها ما عملت من عمل، لها وعليها، حتى يجازى (به) يوم القيامة، لم تخلق عبثاً، فمن أحصى أعمال الطير وجميع البهائم هو قادر على إحصاء أعمالكم وتصرفكم أيها العادلون بالله. * * * ومعنى ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: يعرفون الله ويعبدونه. والأمم: الأجناس. وقال ابن جريج: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: "أصناف مصنفة تعرف بأسمائها". قال أبو هريرة: ما من دابة في الأرض ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم يقتص لبعضها من بعض، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. وإن شئتم فاقْرَأوا: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ (وَلاَ طَائِرٍ) يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ومعنى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد, فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل عند العرب، ((تقول العرب): "مشيتُ إليه برجلي" و "كلمته بفمي" فوكد الطيران ((بقوله)): (بجناحيه) على ذلك. وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ "الطيران" في غير الطائر، فتقول لمن ترسله في حاجة: "طِر في حاجتي"، تريد "أسرع". ويقولون: "كاد الفرس يطير" إذا أسرع في جريه، فيعبرِّون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق بذكر الجناحين بين المعنيين. ويكون "الطائر" عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون "الطائر" من السعد والنحس، كقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧]، فبين في الآية . أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير. وقيل: معنى ﴿(إِلاَّ أُمَمٌ) أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلقهم ودبّرهم ورزقهم وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم. (و) قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ أي: قد دللنا على كل شيء من أمر الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما مجملة. قال ابن عباس: "ما تركنا شيئاً إلاَّ قد كتبناه في أمِّ الكتاب"، يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان. وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده، كل مكتوب فيه. فـ (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في القول الأول: هو القرآن. وروي أن النبي عليه السلام قال: إن الله قد حد حُدوداً فلا تنتهكوها، وسنَّ سُنناً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء - لم يدَعْها نِسياناً، كانت رحمة من الله - فَاقْبلَوها وقال ﷺ لابن عباس: الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمرَ بَانَ لك رُشُده فاتَّبِعْه، وأمر بَانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمرٌ غاب عنك فكِلْهُ إلى الله عز وجل وقيل المعنى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ مما يحتاجون إليه، يعني القرآن. وقوله ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: "موت البهائم: حشرها". قال الفراء: "حشرها: موتها، ثم تحشر مع الناس فيقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يتمنى الكافر أنه كان تراباً". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة. وروي أن عنزين انتطحا، فقال النبي ﷺ: "أتدرون فيما انتطحا؟، قالوا: لا ندري. قال: لكنّ اللهَ يدري، وسيقضي بينهما"
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.