الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ الآية. المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جنَّ عليه الليل (و) (جنَّه)، وأجنَّ عليه، وأجنَّه). * * * ﴿رَأَى كَوْكَباً﴾: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾. وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له "إبراهيم"، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: "إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله "غيره". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّي﴾، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾ أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: "من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟" فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود. وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم. قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: "هذا ربي"، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً. وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان. وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو "أم" ونحوها. وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: ﴿وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وبقوله: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧، القصص: ٦٢، ٧٤، فصلت: ٤٧] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: "هذا ربي"، ثم حذف القول، كما قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أي: يقولون: سلام (عليكم). * * * ومعنى ﴿بَازِغاً﴾: طالعاً، وهو نصب على الحال. وكذلك ﴿بَازِغَةً﴾. وذكر ﴿ٱلشَّمْسَ﴾ في قوله: ﴿هَـٰذَا رَبِّي﴾، على معنى: "هذا البازغ ربي"، أو "هذا الشيء ربي"، أو "هذه النور ربي"، أو "هذا الطالع ربي".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.