الباحث القرآني

قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات. معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه. * * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية. * * * وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون. وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾. وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله. وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه. وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص. قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره. قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا. وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً. * * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾. واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم. ﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب. وقال أبو أمامة: هم الخوارج. وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر. * * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد. * * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين. * * * ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى. * * * ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر. * * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته. * * * ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم. ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية. * * * ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها. * * * ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها. وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر. وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل. وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة". وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون"). وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.