الباحث القرآني

قوله: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ إلى آخر السورة الآيات، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح لكم قريب، "فأخرى" في موضع خفض عطفاً على "تجارة" عند الأخفش. وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار الطبري لأجل رفع "نصر" و "فتح" على البدل من "أخرى"، فيكون المعنى على قول الفراء أنه وعدهم على أيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة وهي غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتبتدئ ﴿نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ﴾، أي: هو نصر، ولا تقف على قول الفراء، لأن (نصراً بدلٌ) من "أخرى". * * * ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر من الله لهم وفتح عاجل. * * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنبيائه ولأوليائه ولدينه، ومن أضاف "أنصاراً" إلى الله احتج بقوله: "نَحْنُ أَنْصارُ اللهَِّ" وهو اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه. وفي حرف عبد الله: "أَنْتُمْ أَنْصارَ اللهَِّ" بالإضافة والإيجاب، وأيضاً فإنه جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل ويُنَون، فكانت إضافته أولى، ومن لم يضف قال بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه لاسم الفاعل. وحقُّه إذا أريدَ به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع فيه على إضافته. * * * وقوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الكاف من "كَمَا" في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما]. وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصاراً مثل أنصار عيسى. قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. ذكر لنا أنه بايع النبي ﷺ ليلة العقبة اثنان وسبعين رجلاً من الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل الله عز وجل بهم ذلك قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم. قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله. قال ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنَّبَطِية، فيكونون على هذا في قوله "قالَ الْحَوارِيُّونَ" يعني به حواري عيسى. قال الضحاك: هم غسالون مَرَّ بهم عيسى فآمنوا واتبعوه. وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق وخالصه: حَوَارَى. وقال القتبي: ﴿مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: مع الله، وهذا عند بعض العلماء لا يجوز كما لا يجوز "قمت إلى زيد" بمعنى "مع زيد" و "إِلى" على بابِها، ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، فالمعنى: قال الحواريون نحن أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ يعني: بعيسى. قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيُّكم يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في درجتي، قال فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم ، [الثالثة]، فقال أنا قال نعم أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت إلى السماء، قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفع إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ما شاء فينا ثم رفعه إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعثه الله محمداً ﷺ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد ﷺ وكفرت طائفة به. وقيل: آمنت طائفة بعيسى ﷺ وكفرت أخرى به. * * * ثم قال: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ يعني: إظهار دين محمد على دين الكفرة. قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم الإسرائيلية. وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم بالحجة الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته. قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل. وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا منهم بمحمد ﷺ بتصديق محمد عليه السلام إيّاهم أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك. ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية بالحجة والبرهان على الكفار. قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى ﷺ ظاهرة بتصديق محمد ﷺ لهم بأن عيسى روح الله وكلمته. وقيل: فأصبح من آمن مع عيسى عالياً على من كفر به. يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.