الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة. أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾. أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم. * * * ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان. * * * - ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أي: بئس عملهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾. أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم. وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى. والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً. * * * - ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾. أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل. * * * ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. (أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾. أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾. أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾. ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة. * * * - ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾. [أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين. (وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾. أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته. "قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه. * * * ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾. هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. (أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه. * * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾. (أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا. * * * - ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾. أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل]. وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد. وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال. (وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن. * * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين. * * * ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. (أي): لا يعلمون ذلك. روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها. وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس. أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات. وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن. * * * - ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾. أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته. * * * - ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة. (وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام. قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج. قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله. - قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾. أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله. وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين". * * * - ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.