الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ...﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ويراد به أمته [ودل] على ذلك قوله - بعد ذلك: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. وقيل: إن هذا من الانتقال من المخاطبة، كما قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. وقيل: التقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم. وقيل: إنه كله مخاطبة للنبي، لكن خوطب بلفظ الجمع على التعظيم والإجلال، كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم. والمعنى: إذا طلقتم نساءكم المدخول بهن، أي: إذا أردتم طلاقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لطهرهن [الذي يحصينه من عدتهن ويعتددن به طاهرات من غير جماع كان منكم في ذلك الطهر، ولا تطلقوهن لحيضهن] الذي لا يعتددن به من أقرائهن. ("فاللام" بمعنى) "في": أي: [فطلقوهن] في عدتهن. أي: في الطهر (الذي) [يعتددن] به، وهو الطهر [الذي] لم تقرب فيه. [وهذا هو مذهب] مالك وغيره. وكون اللاَّمِ بمعنى "في": [مستعمل]، قال الله جل ذكره عن قول الكافر في الآخرة: ﴿يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، أي: في حياتي، أي: يا ليتني قدمت عملاً (صالحاً) في حياتي في الدنيا. فطلاق السنة الذي ثبت عن النبي ﷺ هو أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر من غير جماع كان منه في ذلك الطهر. دل على ذلك قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: في عدتهن، أي: في الطهر الذي يعتددن به ويجعلنه قُرْءاً إذا مضى. وسأل رجل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مائة، فقال له ابن عباس: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجاً، وقرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢]، وقرأ: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن من قبل عدتهن) هكذا روي أنه قرأ على التفسير. وَرَوَى مالك أن ابن عمر "طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال له: مُرْهُ يُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ (ثُمَّ) إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". فهذا طلاق السنة، يطلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، ويدعها [تمضي] في عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها (ارتجعها) شاءت أم أبت قبل أن تمضي عدتها، فإن لم يرتجعها حتى مضت عدتها حلَّت للأَزواج غيرِه وملكت نفسها، وصار خاطباً من الخطاب. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وعطاء وطاوس وابن المسيب وعمرو بن دينار وقتادة وربيعة ومالك وأهل المدينة، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، ومُضِيُّ عدتها عند مالك وأصحابه: أن ترى الدم من الحيضة الثالثة، لأن الأَقراء عنده الأطهار، وعند غيره: الحِيَضُ. وأصل [القرء] في اللغة: الوقت. فهو يصلح للطهر والحيض وقد مضى الكلام على الأقراء في سورة البقرة [بأشبع] من هذا. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة. قال مجاهد والحسن وابن سيرين: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾: (أي): لطهرهن، أي: إذا طهرت من حيض ولم تجامع - وهو [قول] السدي - ومن طلق ثلاثاً لزمه، وبئس ما صنع لمخالفته السنة. (روي) أن علياً - رضي الله عنه - كان يعاقب من طلق البتة، وكان يقول: ما طلق رجل طلاق السنة فندم. وروى أنس أن [عمر] كان يؤدب من طلق ثلاثاً وينهى عنه. وروي أن هذا الحكم نزل في سبب طلاق النبي حفصة بنت عمر، طلقها تطليقة، فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة. * * * - وقوله: ﴿وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾ أي: احفظوها لتعلموا متى تحل للأزواج وتملك نفسها، ومتى يبقى لكم عليها حكم بالمراجعة. * * * - ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أي: خافوه أن تتعدوا حدوده ولا تُخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهن من بيوتهن اللاتي كنتم أسكنتموهن فيما قبل الطلاق حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس: هي المطلقة في الطهر طَلْقَةً لا تَخْرُج من بيتها ما دام لزوجها عليها الرجعة وعليه النفقة، وذلك ما كانت (في) العدة. وقال قتادة: لا يخرجها إذا طلقها واحدة أو اثنتين حتى تتم العدة، فإن طلقها ثلاثاً لم يكن لها سكنى. هذا معنى قوله. والسكنى واجب عند مالك لكل مطلقة دخل بها طلقة ثلاثا أو واحدة. وقال الضحاك: إن خرجت هي فلا سكنى لها ولا نفقة. * * * - ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ قال قتادة: هي الزنا، إذا زنت في عدتها أخرجها لإقامة الحد عليها. وهو قول الحسن ومجاهد وابن زيد. قال ابن عباس: الفاحشة هنا: [البَذَاءُ] على أهله. وقال قتادة: [الفاحشة] هنا: النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز، فلها أن تتحول من بيت زوجها. وقال السدي: الفاحشة هنا: خروجها من بيتها في العدة. وقال ابن عمر: "خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة". وعن ابن عباس أنه قال: الفاحشة هنا: كل معصية مثل الزنا والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار الطبري. وللرجل أن يطلق الحامل متى شاء عند مالك تطليقة واحدة. [وكذلك يطلق الآيسة من المحيض واللائي لم يحضن متى شاء تطليقة واحدة، ولا يتبعها] طلاقاً حتى تحل. * * * - ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ] فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. (أي): وتلك الأمور التي بينت لكم (في الطلاق) حدود الله [لكم] وفرائضه عليكم، ومن يتعد حدود الله فيطلق في غير طهر ويخرج من طلق من بيتها قبل انقضاء العدة ويتجاوز [ما أمره الله به] فقد ظلم نفسه بما ألزمها من الذنوب والعقوبات في آخرته. * * * - ثم قال: ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ (أَمْراً)﴾. أي: لعلكم تندمون بعد طلاقكم فتراجعون، فإذا تجاوزتم حدود الله في الطلاق فطلقتم ثلاثاً ثم ندمتم لم تكن لكم رجعة أبداً، إنما تكونون خطاباً لها بعد زوج. وهذا قول جميع المفسرين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.