الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب