الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.