الباحث القرآني

[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾. أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية. قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً. - قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.. [أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت. وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ. " وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله. * * * - ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. (أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى. * * * - ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. أي [زلزلتا] زلزلة واحدة. قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً". * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾. أي: قامت القيامة. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾. أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ. قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢]. - وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق. قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق. وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا. وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو. والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ. * * * - ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح. (ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض. وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور". قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾. [أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء. وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله". وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾. أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾. وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾. هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك. والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي. قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت". قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين. * * * - ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾. أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة. وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. أي: رفيعة المقدار والمكان. * * * - ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك]. * * * - ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾. أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ. ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾ أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟! * * * - ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾. أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة. قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت. * * * - ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾. أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي. * * * - ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها. * * * - ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها). * * * ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾. أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة. قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه". وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام. وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها. وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: لا يصدق بتوحيد بالله. * * * ﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾. ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب