الباحث القرآني

قوله: ﴿قَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾، إلى: ﴿مُّجْرِمِينَ﴾. ﴿مَهْمَا﴾ عند الخليل: أصلها "ما" للشرط، زيدت عليها "مَا" للتوكيد، وأبدل من ألف "مَا" الأولى "هاء". وقال غيره: الأصل: "مَهْ" بمعنى: اكفُفْ، و "مَا" للشرط بعد ذلك. وحكى الكوفيون: "مهما" بمعنى: "مهما". والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما ﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ﴾. "فالطوفان": الماء. قاله الضحاك، وأبو مالك. قال ابن عباس: هو الغرق. قال مجاهد: هو الموت. قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياماً]، فسألوا موسى، (عليه السلام)، أن يسأل الله (عز وجل)، ليكشف عنهم ففعل. قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى (عليه السلام)، أن يدعو الله (عز وجل) ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله على زُرُوعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى كفرهم. وروت عائشة عن النبي، ﷺ، أنه قال ﴿ٱلطُّوفَانَ﴾: الموت وعن ابن عباس قال: هو أَمْرٌ من (أمر) الله (عز وجل)، طاف (بهم)، وقرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]. و: ﴿ٱلطُّوفَانَ﴾: مصدر كالنقصان، لا يجمع. وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. * * * وقوله: ﴿وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ﴾. أرسل عليهم الجراد والقمل، وهو: الدَّبَى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: إن ذلك "الجراد"، كان يأكل المسامير، فَعَجُّوا إلى موسى، (عليه السلام)، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة! فـ: ﴿ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، وهو العذاب، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما أقام سبعة أيام، فأقاموا شهراً، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة. وقيل: ﴿ٱلْقُمَّلَ﴾: السوس الذي يخرج من الحِنْطَة. قاله ابن عباس، وابن جبير. وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدَّبَى الذي لا جناح له. وقال ابن زيد: هي البراغيث. وقال الحسن: هي دَوابٌ صِغَارٌ سَودٌ. وقال أبو عبيدة: ﴿ٱلْقُمَّلَ﴾: الحَمْنَانُ، وهو ضرب من القِرَاد، واحدتها: حَمْنَانَةٌ. و ﴿ٱلْقُمَّلَ﴾: جمع واحدته: "قَمْلَةٌ". قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى (عليه السلام)، فرعون، قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله (عز وجل)، عليهم مطراً خافوا أن يكون عقاباً، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه (عز وجل)؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئاً لم ينبت لهم قبل ذلك من الزرع والثمر والكلإ. فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجِراد فسقط على الكلإ، فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنَّا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله (عز وجل)، عليهم القُمّلَ، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل (يخرج) بعشرة أَجْرِبَةٍ [إِلى] الرَّحَى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا القُمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جَالِسٌ مع فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال موسى (عليه السلام) ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: وما عسى أن يكون مثل هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في الضفادع، ويهم أن يتكلم فَيَثِبَ الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار وصار في أوعيتهم وجدوه دَماً عَبِيطاً، فشكوا إلى فرعون وقالوا: ليس لنا شراب! قد ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوا موسى (عليه السلام)، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا فكشف عنهم ولم يفعلوا ما قالوا. قال السدي: وكان الإسرائيليُّ في كل هذا مُعَافىً من هذا كله. كان القبطيُّ والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دماً، والإسرائيلي مَاءً. وعلى نحو هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما. حتى أنه رُوِيَ أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيلياً وقبطياً على إِناءٍ واحدٍ، فكان الذي يلي الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دماً. قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد ليأكله وجده، (قد) ملئ دماً. قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً. وكان الرجل الإسرائيلي يركب السفينة مع القبطي فَيَغْرِفُ الإسرائيلي ماء، ويَغْرِفُ القبطي دماً. وكانت المرأة القبطية، تأتي المرأة من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقني من مائك من العطش، فتغرف لها من جَرَّتِها وتصب لها في قِرْبَتها، فيعود الماء دماً، حتى كانت تقول لها: اجعليه في فيك، ثم مُجِّيه في فِيَّ، فتأخذ الإسرائيلية في فيها [ماء]، فإذا مُجَّتْهُ بِفِي القبطية، صار دماً، فمكثوا على ذلك سبعة أيام. قال ابن جبير، والحسن: كان إلى جنبهم كثيب أَعْفَرُ بقرية تدعى: "عَيْن شَمْس": فمشى موسى، (عليه السلام)، إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربة صار قُمَّلاً تدب إليه، وهي دواب سُودٌ صِغَار. فدبت إليهم، فأخذت أَشْعَارهم وأَبْشَارهم وأَشْفَار عيونهم، ولزمت جلودهم كالجُدَري، فاستغاثوا بموسى (عليه السلام). قالا: وكان الرجل يضطجع فتركبه الضفادع رُكاماً حتى لا يستطيع أن ينصرف على شقه الآخر، ولا يعجن عجيناً إلا سقط فيه منه، ولا يطبخ قِدْراً إلا سقط فيه، فاستغاثوا. أرسل الله عليهم ذلك ﴿آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ﴾، شيئاً، (بعد شيء) كان بين الآية والآية ثمانية أيام. ثم أخبر الله عنهم أنهم بعد هذه الآيات: ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: تَعَظَّموا وتَجَبَّروا وعتوا عن أمر الله، (عز وجل).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.