الباحث القرآني

قوله: ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾، [الآية]. [والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، وهي الصالحات من الأعمال، ﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾، أي: المغفرة. قال ابن جريج: ﴿حَسَنَةً﴾، مغفرة. * * * ﴿إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾. أي: تبنا. وقال علي: إنما سميت اليهود يهوداً؛ لأنهم قالوا: ﴿هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾. قال الله، (عز وجل): ﴿عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾. أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي. * * * ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. أي: عمت خلقي كلهم. وقيل المعنى: إنَّه خُصُوصٌ، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد ﷺ، ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: جعل الله، (عز وجل)، الرحمة لهذه الأمة. وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، قال: أنا من "الشيء" فنزعها الله (عز وجل) من إبليس، فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ﴾، الآيات كلها. فجعلها في هذه الأمة. قال الحسن: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، (وسعت) البَرَّ والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة. وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ، قال: "إن لله، (عز وجل)، مائة رحمة، أنزل منها رحمةً واحدةً بَيْنَ الخَلْقِ، الجِنَِّ، والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامَ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَراحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الوُحُوشَ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وقال عطاء: خلق الله (عز وجل)، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على فراخه، وأخر تسعاً وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء. وعن كعب أنه قال: ينظر الله، (عز وجل)، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نُعَيْم بن حماد. قال ابن زيد: معنى: اكْتُبْ"، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة. قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتقون الشرك. وقيل المعنى: يتقون المعاصي. قال ابن عباس: ﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ﴾، أي: يعملون بما يُزَكُّونَ به أنفسهم من صالحات الأعمال. وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء حكماء، كأنهم أنبياء. وذكر زيد أيضاً: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى يرضون منّي بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله. قال النحاس في معنى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي: من دخل فيها، لَمْ تعْجِز عنه. وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني أمة محمد، عليه السلام. قال ابن جبير: لما قال الله، (عز وجل)، لموسى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قال موسى: يا رب، أتيتك بِوَفْدِ بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله (عز وجل)، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال قتادة: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ﴾، أي: يجدون نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ. * * * ﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾. أي: يأمر أتباعه بالمعروف. * * * ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. * * * ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ﴾. "الخبائث" عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك. * * * ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ابن عباس: والحسن، وغيرهما. وقيل: هو ما أُلْزِمُوه مِن قَطْع ما أصابه البول. * * * وقوله: ﴿وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. هو قول الله، (عز وجل): ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، من آمن بمحمد (ﷺ)، لم تُغَلَّ يده. وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كُلِّفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة بمنزلة الأغلال. * * * ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. أي: وقَّروه، وحَمَوْه من النَّاس. * * * ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ﴾. أي: القرآن سمي نوراً؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النُّور الذي يُهْتَدَى به. وقرأ الجَحْدَري وعيسى: "وَعَزَرُوهُ"، مخففاً. وروي عن أبي بكر عن عاصم: "وَيَضَعُ عَنْهُمُ أَصْرَهُم"، بفتح الهمزة، لغة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب