الباحث القرآني

قوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾، إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أن يملكنيه، بأن يُقوِّيني عليه، ويعينني، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: أعلم ما هو كائن ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: من العمل الصالح. وقال ابن جريج: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ أي: هدى ولا ضلالة، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح. وقال مجاهد مثله. وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: أعلم السَّنَةَ الجَدْبَة من الخصبة، لاستكثرت من الرُّخْصِ. وقيل: ﴿[وَ]لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: مَا كَتَبَ الله. وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني إلى ما أدعوكم ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: من إجابتكم إلى ما أدعوكم. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ﴾، منكم بتكذيب أو عداوة. وقال الحسن ﴿مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾: من الوحي. وقيل: المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أُغلب. وقيل المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يُعَرِّفَنِيه لفعلت. وهو اختيار النحاس. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ﴾، أي: الضر. وقيل: ﴿وَمَا [مَسَّنِيَ]﴾ تكذيبكم وقولكم: مجنون. * * * ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعني: آدم، [عليه السلام]. * * * ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. يعني: حواء خلقت من ضِلْعٍ من (أَضْلاَعِ) آدَمَ. * * * ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته. * * * ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾. كناية عن الجِمَاعِ. * * * ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾. يعني: الماء الذي حملته حواء في رحمِها من آدم، عليهما السلام. * * * ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتمت الحَمْلَ. وقيل: المعنى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وجاءت لم يثقلها الحَمْلَ أولاً. قال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، استبان حَمْلُها. وقال مجاهد: [استمر] حَمْلُها. وقيل معنى "فَمَرَّتْ بِهِ": فشكَّت، أحملت أم لا؟ رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وقاله: يحيى بن يعمر. ورُوي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مرَّ بِهَا إبليسُ فشكت إليه ثِقْل حملها، فقال لها، عدو الله، سَمِيّه: "عبد الحارث" يخف عليك. ففعلت. قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فَقُلِبَ الكَلاَمُ. يقال: أدْخَلْتُ الخُفَّ رجلي. ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ﴾. أي: صار حَمْلُها الخَفِيفَ ثَقِيلاً. وقال السدي ﴿أَثْقَلَتْ﴾،: كبر الولد. ﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا﴾: يعني: آدم وحواء. * * * ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾. أي: غلاماً. قاله الحسن، ومعمر. وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غَيْرَ إِنْسَانٍ، فسألا أن يكون إنساناً. قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بَهِيمَةً. ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً﴾. أي: بشراً. * * * ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا﴾. قال ابن جبير: جاءها إبليس فَخَوَّفَهَا أن يكون حَمْلُهَا بهيمة. وقال: أطيعيني وَسَمِّيهِ: "عبد الحارث" تلدين شبَهكما، فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحبنا الذي علمت: فمات الولد، ثم حملت أخرى، فعاد إليها إبليس بمثل ذلك، وكان الملعون اسمه في الملائكة: "الحارث". وقال لها: أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم (عليه السلام)، فأبى. ثم حملت ثالثاً، وعاد إليها إبليس بمثل الأول، فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمَه: "عبد الحارث". قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها. وذلك كله بعد أن أُهْبِطَا إلى الأرض. وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة. قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك * * * ﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾. ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على هذه القراءة: جعلا لغيره شِرْكاً، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك لغيره، فإنما جعلا لغيره الشرك. والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جَعَلاَ لَهُ ذَا شِرْكٍ، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فالشرك على هذا لإبليس، وهو المضاف المحذوف. و "الشرك" مصدر: شَرِكْتُهُ في الأمر. ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾: جعله جمع شريك. وإنَّما جاءت بالجمع وهو واحد، إذ المراد به: إبليس ومعه تُّباعٌ؛ لأن له جنوداً وشياطين معه، فإذا جعل هو شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم. وقيل: إنما ذلك؛ لأن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إِذَا لَمْ تَقْصِدْ وَاحِداً بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تُسَمْهِ، نحو قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ. روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ، أنه قال: "كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: "عبد الحارث" فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث"، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان. قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إِنْ سَرَّكُما أن يعيش لكما ولد فسمياه: "عبد الحارث". ففعلا، فذلك قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ﴾. قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج سليماً، أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سَمِّيهِ "عبد الحارث"، فأتت آدم فأعلمته، فقال لها: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة! ثم أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم فلما وضعته سمته: "عبد الحارث". قال السدي: لما ولدت غلاماً أتاها إبليس فقال: سمّيه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسمَّاه "عبد الرحمن" فَسُلِّط عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل (ذلك) آدم، وسماه: "صالحاً" فسلط الله عليه إبليس فقتله. فلما كان الثالثة قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه": "عبد الحارث" وكان اسمه في الملائكة "الحارث"، فسماه "عبد الحارث". ورُوِيَ عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم. يعني: "الشِّرْك"، إنما كان في بعض الأمم. وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى. وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد فَهَوَّدُوا ونصَّرُوْا. وَرُوِىَ عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك الجنس. كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أي: من جنسها، ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾، يعني: الجنس لا يخصُّ به واحد دون آخر، ﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا﴾، يراد به الجنسان الكافران. ثُمَّ يُحْمَل قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، على الجمع؛ لأنهما جنسان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.