الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب