الباحث القرآني

قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إِلَىٰ قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم. قيل: هو الطوفان. وقيل: هو عذاب جهنم. ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب. * * * - ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: "نَذِيرٌ" أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، "مبِينٌ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم. * * * - ثم قال: ﴿أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾ (أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به. * * * - ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم. قال قتادة: "أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره". * * * - ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾. أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني. و "مِنْ" بمعنى "عَنْ" أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت ["مِنْ"] بمعنى "عن" لم تدل [على] التبعيض، وقيل: "من" للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون "من" زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب. ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب. قال مجاهد: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله. * * * - ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم. وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب. وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.