الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً)...﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾. أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك. من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ قال: يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَم يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: ماذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ. قال النبي ﷺ: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهَدون له. قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذَّبوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا. فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة "نوح"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي ﷺ: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُه إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَأنا عَلَيهم [شهيدٌ] ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾ أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي). * * * - ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ (ٱسْتِكْبَاراً)﴾: أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به من الحق وقبول الإيمان. * * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾. أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ. قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به)". ﴿ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار. قال مجاهد: أَعْلَنتُ: "صِحْتُ بهِم"، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (أي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم. * * * - ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم. * * * - ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾. أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره. * * * - ثم قال: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾. أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعاً. وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] الآية. * * * - ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾. (أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته". وقال قتادة: معناه: "﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة". وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة. وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة. و "ترجون" هنا - في أكثر الأقوال - بمعنى: تخافون. * * * - ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾. أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ اللحم. وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور [والعمر] والهمم وغير ذلك. وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله. والطور في اللغة: المرة. فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾. أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقاً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم. والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً. فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون "طباقاً" [نعتاً] لـ "سبع"، جمع طبق. ومعنى ألم تروا كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له. ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا. ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل:١]. وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟ * * * - ثم قال ﴿وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: "فيهن"، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن. وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة. وقيل معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]. وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...﴾ الآية. وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: "فيهن" بعدما مضى الكلام. وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته. * * * - ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾. أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض. * * * - ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الأرض فتصيرون تراباً. * * * - ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ]﴾ منها إلى البعث. * * * - ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً﴾. [هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم. فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾. أي: طرقاً واسعة. وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: "طرقاً مختلفة". - ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾. أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، أي: اتبعوا في معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب - [وذهاباً] عن سبيلك. ومن قرأ "وُلده" بالضم احتمل أن يكون جمع "وَلَد"، ك "وُثُن" جمع "وَثَن"، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه. وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد والوُلد بمعنى واحد. * * * - ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾. أي: كبيراً، يقال كُبَارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: "أمر عجيب"، وعُجاب بمعنى واحد. ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى. وجَمَال وجُمَّال بمعنى جميل. قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ "عظيماً". * * * - ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ..﴾. أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾. ["هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع"]. قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح. وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره. * * * - ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير. * * * - ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾. أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.