الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة. أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. * * * - ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾. أي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة. وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم". قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: "هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج". وقال مجاهد: هو "شجرة الزقوم". وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة الآية فصعق - ﷺ -. * * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) ٱلأَرْضُ (وَٱلْجِبَالُ)﴾ أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة. * * * - ثم قال: ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾. أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً. والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة. فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً. ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: "كلام مقول" لثقل ذلك. وكلهم أجاز: "رجل مهول" و "ثوب مبوع" على لغة من قال: بوع الثوب. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾. يعني محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة. * * * - ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾. أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. * * * - ﴿فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾. أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. ودخلت الألف واللام في لفظ "رسول" الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم. فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -. ؎ شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِْ أَنَّ مُحَمَداً ∗∗∗ رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا ؎ لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا ∗∗∗ بِهَا يُنْبِتُ اللهَ [الحَصِيدَةَ] وَالأَبَّا ثم قال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً﴾. أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوماً هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. * * * - ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. وقال عكرمة: ممتلئة [به]. وقيل: (به) بمعنى "فيه"، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. * * * - ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾. أي: ليس لوعده خُلْفٌ. قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد. قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. * * * - ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمانِ، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. * * * - وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. * * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. * * * - ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ثم قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. * * * - ثم قال: ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية. وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك. وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: "مائة آية". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. * * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾. يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. * * * - ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. * * * - ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. * * * - ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾. أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. * * * - ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.