الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. وروي أن النبي ﷺ [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره النخعي. وروي أن هذا أول ما نزل على النبي ﷺ. رواه جابر بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. قال ابن عباس: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: "يأ أيها النائم". وقال قتادة: المدثر في ثيابه. وقال عكرمة: معناه: "دُثرت هذا الأَمر فقم به"، يعني النبوة. * * * - وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. * * * - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: فعظم. * * * - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم. وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده وأصلح: إنه لمُطَهَّر الثياب. وقال الضحاك: معناه: "لا تلبس ثيابك على معصية". وقال ابن زيد: معناه: "وعملك فأصلحه"، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. وعن مجاهد أن معناه: "لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا". (وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت طهارة الثوب فرضاً لأعاد أبداً. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. * * * - ثم قال ﴿وَٱلرُّجْزَ [فَٱهْجُرْ]﴾. أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها. والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. وقيل: الكسر معناه العَذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَهَا. قال ابن عباس: الرجز: "السخط، وهو الأصنام". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: "الأوثان. وقاله الزهري. وقال قتادة: "الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما". قال ابن زيد: "الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها]". وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. * * * - ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين]. وهذا خصوص للنبي ﷺ، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. وقال الربيع بن أنس: معناه: "لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: "حبل منين" إذا كان ضعيفاً. وفي قراءة ابن مسعود: "وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". قال الكسائي: فإذا حذف "أن" رفع، وهو حال (عند) البصريين. وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾. أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: "حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، [وعَسِرَ] فهو عَسِرٌِ. والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. روى ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَنَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فِيهِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ]. * * * - ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: "أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ...﴾ [الحجر: ٩٢] إلى آخرها". وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون "وحيداً"] على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في "خلقته". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في "خلقته". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي. فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير. ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾. قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر]. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾. أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً]. روي أنه كان له عشرة من الولد. وقد قاله مجاهد وغيره. وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه. * * * - ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾. أي: بسطت له في العيش بسطاً. قاله سفيان. وقال مجاهد: "من المال والولد". * * * - ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ﴾ ثم يَأْمَلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك]. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾. أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً. يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، [وبَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ "جحوداً". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: "معانداً للحق، مجانباً له". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ "مشاقاً لنا". * * * - ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾. أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: "عذاباً لا راحة منه". وقال قتادة: "مشقة من العذاب". * * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * [فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ]﴾. أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: ثم تَأَنّى في ذلك. * * * ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض ما بين عينيه. * * * ﴿وَبَسَرَ﴾. أي: كلح وكَرَّهَ وجهه. قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي ﷺ فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ قومُكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ" [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوَالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. (فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال ابن عباس: دَخَلَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَالله أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرِ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً...﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾ قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. وقال الضحاك: دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر. قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره. * * * - ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ﴾. أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد]. * * * - ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها. * * * - ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا (سَقَرُ)﴾. أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر. * * * - ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾. أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ. قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُمِيتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلك. * * * - ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾. أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد. وقال قتادة: "خَرَّاقَةٌ للجلد". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل. وقال ابن عباس: "تحرق بَشَرَةَ الإنسان". * * * - ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي ﷺ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا. فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ. قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفاً. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾ أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحداً؟!. فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. * * * - ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار. وقيل: إن كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. * * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾. أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ...﴾ "أنك رسول الله". * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً﴾ أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. * * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. * * * - ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: نفاق. * * * ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. * * * - ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾. أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. - قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لله مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهنم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ. وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجد لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً. وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْفَ والنَّفَسَ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾. يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها. * * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ﴾. أجاز الطبري الوقف على "كَلاَّ"، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها. والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: "إي والقمر، وقيل: تقديره: "حقاً" (وقيل): "أَلاَ". * * * - ﴿وَٱلْقَمَرِ..﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. * * * - ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ﴾. أي: أضاءَ وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: "سفر" للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه قيل: "سفير" للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و "أدبر" لم يُقَلْ إلا بالألف. وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾. يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. * * * - ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾. قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في "إنها" [أَوْ مِنْ] "إِحْدَى". وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن تكون حالاً من "هو" في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من "نذير" لأنه بمعنى النسب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.