الباحث القرآني

قوله: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾، إلى آخرها. من النحويين من قال: "لا" زائدة كزيادتها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقاً من السماء على النبي ﷺ. وقد قال الفراء: "لا" لا تزاد ("لا" في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. وقيل: [إن] "لا" من قوله: ﴿لاَ [أُقْسِمُ]﴾: جواب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله أيضاً قسماً ثانياً. ومن جعله غير قسم جعل "لا" نافية. وهو قول الحسن. وقد قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: "لأُقْسِمُ" بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون المشددة. قال ابن جُبير: "﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ معناه: أقسم بيوم القيامة". وقال أبو بكر ابن عياش: ﴿لاَ﴾ تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. وحكي عن بعض الكوفيين أن ﴿لاَ﴾ رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم "لا" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحداً واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءاً: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوماً أنكروه. وقيل: "لا" تنبيه بمعنى "ألا". كما قال امرؤ القيس: ؎ لاَ وَأَبيكِ ابْنَةَ العامِر[يِّ] ∗∗∗ لا يدّعي القومُ أَنِّي [أَفِرّ] يريد: ألا. قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ (هو أيضاً) قسم. أَقْسَمَ ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون "لا" الأولى رداً لكلام تقدم، و "لا" الثانية زائدة. وقال الحسن: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ﴾ ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون "لا" الأولى [رداً] لكلام تقدم أو زائدة، و "لا" الثانية نافية غير زائدة. وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه (يقدرُ) جواب القسم محذوفاً. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله لا يبعث أحداً، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. ودل على ذلك قوله: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن [نَّجْمَعَ] عِظَامَهُ﴾، أي: أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: "لا، والله ما فعلت" أن قولهم "لا" رَدُّ الكلام. وقولهم: "والله": ابتداءُ يمينٍ فكذلك ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. * * * - وقوله: ﴿بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾. أي: بالنفس التي "تلوم على الخير والشر". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: أَلاَ ازْدَادَ خيراً؟! ويلوم المسيء نفسه (على إساءته وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لِمَ] أَكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، يَمُرُّ قدما قدماً في الذنوب. وعن الحسن [أيضاً] أنه قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: "الفاجرة". وعن ابن عباس: هي "المذمومة". * * * - ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئاً واحداً [كَخُفِّ] البعير، وحَافِرِ الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويُفْضِيَ إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال، أي: بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع ﴿[قَادِرِينَ]﴾ في موضع "نقدر"، نصب على الحال. وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: "قائماً زيد" [بنصب] "قائم" إذا رفع "زيداً" بفعله، لأنه في موضع "يقوم". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ذلك قادرين. * * * - ثم قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن يريد أن يمضي أمامه قدماً لا يُثْنَى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويُسَوِّفُ بالتوبة. قال ابن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم ﴿أَمَامَهُ﴾ راكباً رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تَنْزَعُ نَفْسُهُ إلى معصية الله قُدُماً قُدُماً إلاَّ من عصم الله. وقال عكرمة: ... "لا ينزع عن فجوره". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، لا يذكر الموت، يقول: أصيبُ من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هُنَا "الكافر، يكذب بالبعث والحساب"، وهو قول ابن زيد. فالهاء في ﴿أَمَامَهُ﴾ للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. * * * - ثم قال: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفاً منه بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: "متى يوم القيامة". قال عمر بن الخطاب: "من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة". قال ابن عباس: معناه: يقول الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾ * * * - وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حَارَ وفَزِعَ [عند الموت]. قال قتادة: ﴿بَرِقَ (ٱلْبَصَرُ)﴾: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك ﴿بَرِقَ ٱلْبَصَرُ﴾. وقيل: الفتحُ في الراءِ والكسرُ لغتان، بمعنى: لَمعَ وشَخَصَ. ويدل على [صحة] ذلك قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ [طَرْفُهُمْ]﴾ [إبراهيم: ٤٣]، فهذا هو الشخوص، [لا تُطْرَفُ] أَعينُهُم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. * * * - ثم قال: ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ﴾. أي: ذهب ضوءه. * * * - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾. أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران كما قال تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا فرُميَ بهما في الأرض. وتأويل ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع بينهما هنا: أن يُرْمَى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. وقيل: ﴿وَجُمِعَ﴾، ولم يقل: "وجمعت"، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع النوران الضياءان. وقال المبرد: ذُكِرَ ﴿وَجُمِعَ﴾ لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: "شَخْص" و "شَيْء". * * * - ثم قال: ﴿يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ﴾. أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، "والمَفَرُّ" مصدرٌ. عن ابن عباس: "أَيْنَ المَفِرُّ" بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. * * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾. أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا جبل ولا معقل. قال ابن عباس: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن (ولا ملجأ". وقال مطرف بن الشخير: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: ﴿لاَ وَزَرَ﴾: "لا حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضُيِّقَ عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى غيره. * * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ﴾. قال ابن زيد: "استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" وقال قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. * * * - ثم قال: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. أي: يُخْبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: "يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل موته وبما سَنَّ فَعُمِلَ به بعد موته". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. وقال ابن زيد: ﴿وَأَخَّرَ﴾ معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. * * * - ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: "يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه"، فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ خبرٌ، والجملة خبرُ [عن] الإنسان. وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب غيره، متغافل عن عيبه. فيكون ﴿ٱلإِنسَانُ﴾ على هذا التأويل ابتداء، و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبره. ودخلت الهاء في "بصيرة" للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: ولو سدل ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: "﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] يعني قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقولهم: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟! قال ابن زيد: "قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا". وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾: "ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها". وقال السدي: "معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب". وقال الحسن و [قتادة]: "(معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه"، إذ هي باطل. * * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. روي أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. قال ابن عباس: كَانَ النبي ﷺ يَلْقَى مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أَيْ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، وَأَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ (قُرْآنَهُ)﴾، أَيْ: فَأَنْصِتْ وَاسْتَمِعْ. * * * ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. (أَيْ): (إِنَّ) عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ ، قَالَ: فَكَانَ النبي ﷺ إِذَا أََتَاهُ جِبْرِيلُ [اسْتَمَعَ]، فَإذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ (كَمَا قَرَأَهُ). قال الشعبي: "كَانَ النبي ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوحيُ عَجِلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبِهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وقال ابن زيد: "(معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به". وقال الضحاك: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: حفظه في [قلبك]. وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. [وقال قتادة]: معنى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في قلبك حتى تحفظه ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: [تأليفه]. يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنيناً إذا ضمت رحمها على ذلك. * * * - وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. معناه عند ابن عباس: ("فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه". وعنه أيضاً أن [معناه]: "فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه". وقال قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ "فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه". وقال الضحاك: "فاتبع ما فيه". وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. - وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي [أن] نبينه بلسانك. * * * - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾. أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة وتكذبون بالآجلة. (ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً" أو بمعنى "ألا". قال قتادة: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). * * * - ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. * * * - ثم قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: "تنظر إلى ربها نظراً". قال الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: "أي حسنة: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق". وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، [(لا) يقال]: "نظرت إليه" بمعنى انتظرته، وإنما يقال: "نظرته" بمعنى انتظرته. وأيضاً فإنه لا يجوز "انتظرت زيداً" بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضاً، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: "[وجهي] منتظر لك". فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يَجُزْ أَنْ يَتَأَوَّلَ فيه معنى الانتظار، ولو قال: "قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، لحسن كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نَظَرت إلى الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إِنِّي حَدّثْتُكُمْ عَنِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، إِنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ [مَطْمُوسُ] عَيْنِ اليُسْرَى، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلاَ حَجْرَاءَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنْ رَبَّكُمْ - عز وجل - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - حَتَّى تَمُوتُوا وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨-٩]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى [الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد به العين - أَجْوَزَ وَأَحْسَنَ، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحَادِيثُ] تصحيح النظر إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون له، إنما أَمَّنَهُ من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. * * * ومعنى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لا يكون نفياً عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علماً، كذلك جاز أن يروا ربّهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز أن يكون معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ لا تراه. و [قد] قيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: في الدنيا، على أن يكون ﴿تُدْرِكُهُ﴾ بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ". وفي بعض الرواية: "لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ". وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ سَحَابٍ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ"، وفي بعضها: "كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ وقد ذكر النحاس في "تضارون" و "تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه. "تُضَارَونَ" و "تُضَامُّون" مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز "تُضَارُّونَ" (و) "تُضَامُّونَ" مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز "تَضَامُّونَ" مفتوح الأول مشدداً، وأصله: "تَتَضَامُّونَ"، (ثم حذفت إحدى التاءين كـ ﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: ١] قال: ويجوز "تَضَّامُّونَ" مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكذلك يجوز "تُضَّامُّونَ" و "تُضَّارُّونَ" على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته. * * * - ثم قال تعالى: ﴿[وَ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ "كاشرة". وقال قتادة: "كالحة عابسة". * * * - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: "داهية". وقال قتادة: "تيقن أنها ستدخل النار"، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. * * * - ثم قال: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "إلا". فيبتدأ (بها). * * * - ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾. يعني النفس عند الموت وحشرج بها. * * * - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: "من طبيب وشاف"، وهو قول الضحاك وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ. وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ. واسم الفاعل فيهما رَاقٍ. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾. أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾. أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه أيضاً أنه يقول: "آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة". وقال الضحاك: معناه: "أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح". وقال قتادة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: "[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة". وقيل: "عمل الدنيا بعمل الآخرة". وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: "ساق الآخرة بساق الدنيا"، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: "قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى. و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] "بلاء ببلاء". * * * - ثم قال تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾. أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. * * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ﴾. أي: لم يصدق ولم يصل، فـ "لا" نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. ولكنه ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. * * * - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾. أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته. قال قتادة: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: "يتبختر". قال زيد بن أسلم: ﴿يَتَمَطَّىٰ﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبختراً. ومنه حديث النبي ﷺ: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ". ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: "تَظَنَّيْتُ" في "تَظَنَّنْتُ"، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾. هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيَابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * (ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئَاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ اللهُ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ". والعرب تقول: "أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت)". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد". وقال بعض أهل المعاني: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ﴾ هو "أفعل" الذي للتفضيل بمنزلة "أخزى لك" و "أقبح لوجهك"، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يقولوا: "أيل"، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً. قال ابن زيد: "لا يفترض عليه عمل ولا يعمل". يقال: "أسديت الشيء" بمعنى: أعملته. * * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾. أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على إحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟! - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. ثم دماً. * * * - ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. * * * - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكوراً وإناثاً. * * * - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً] على أن يحيي الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبيّ ﷺ إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى. قال قتادة: "كان يقول: سبحانك، وبلى". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِـيَ﴾، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.