الباحث القرآني

﴿أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقاً. قال ابن عباس: ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾، أي: بَرِئُوْا من الكفر. وَهَذَا بَابٌ تُذْكَرُ فَيهَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، عز وجل. وحقيقة الإيمان عند أَهْلِ السُّنَّة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ. وقالت المُرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل. وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل. وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المَعْرِفَةُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ، كما رواه علي عن النبي ﷺ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْمَاعِ الأُمَّةِ. قد أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أخبر أن قلبه غَيْرُ مُصَدِّقٍ بشيء من ذلك، أنَّهُ كَافِرٌ، فدل على أَنَّ الاعتقاد لا بد منه. ثم أَجْمَعُوا على أَنَّ الكافل إذا قال: قد اعتقدت في قلبي الإيمان ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه حكم الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فَإنَّ دمه لو قتل لا تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه. ثم أَجْمَعُوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئاً من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما يقتل الكافر، فدل على وجوب العمل. فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ [البينة: ٥]، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، أي: دين الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد ﷺ، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار أم لا؟ قيل له: لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه إذا جاء وقت العمل عمل ما افترض عليه، ولو علم منه وقت إقراره أنه لا يعمل لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقرّ في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن. والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد بعمله مَحْمَدَةَ الناس وَرَايَا به فليس مما يقبله الله، عز وجل، وصاحبه في مشيئة الله سبحانه. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأمر به، فَعَرَّفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَهَا؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذبْتَ ولكن قاتلت ليقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تَعَلَّمَ العلم وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعلمت فيك العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورَجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ أنواع المال كله، فَعَرَّفه نِعمه فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئاً تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فسحب على وجهه حتى ألقي في النار وروى أبو هريرة أيضاً، أن النبي ﷺ، قال: "قال الله جلّ ذكره من قائل،: أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فمن عَمِل عَمَلاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وَأَنَا بَرِيءٌ منه وفي خبر آخر: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ وروى ابن عمر أن النبي ﷺ، قال: "أَشَدُّ النَّاسِ يوم القيامة عَذَاباً، من يرى النَّاس أَنَّ فِيهِ خَيْراً وَلاَ خَيْرَ فِيهِ وعنه، ﷺ،: "مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعمله، سمَّع الله به يوم القيامة وصَغّرهُ وحَقَّرهُ وعنه، ﷺ: "مَنْ رَاءَا بأمر يريد به سُمْعَةً فإنه في مَقْتٍ من اللهِ عز وجل، حتى يجلس وقال النبي ﷺ: "لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر". قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخادع الله، قال: "تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع" وعنه، ﷺ،: "إن أدنى الرِّياء شِرْكٌ فيجب على المؤمن الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى. وألاَّ يتباهى بعمله عند أحد فيشركه في علمه. فإنَّ عَمِلَ عاملٌ عَمَلاً مُخْلِصاً لله عز وجل، في السر، فَسُرّ به، وأُعْجِبَ به إذ وفقه الله عز وجل، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إنْ سلم من الإعجاب بنفسه؛ فَإنَّ الإعجاب ضَرْبٌ من التكبر، والتكبر يُحْبِطُ الأَعْمَالَ. فإن ظَهَرَ عَمَلُهُ الذي أَسَرَّه للناس من غير أن يُشَهِّره هو على طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فَسَرَّه ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان لله عز وجل، والناس يَتَأَسَّونَ به في فعله. وقد روى أبو هريرة: أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، دخل علي رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي ﷺ: "فلك أجران: أَجْرُ السَّرِ، وأَجْرُ العَلاَنِيَّة" وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: أتى النبي ﷺ، [رجل]، فسأله عن رجل يعمل العمل من الخير يُسِرُّه، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي ﷺ: "له أجران: أجرُ السّرِّ وأجرُ العلانيَّة" وروى حبيب: أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ، قالوا: يا رسول الله، إنَّا نعمل أعمالاً في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تُذْكَر بِخَيْرٍ، فقال: "لكم أجر السر وأجر العلانية" وقد روى أنس أن النبي ﷺ، وجد ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن، فقال: "أما إني على ما ترون بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطُّوَلُ" وهذا من رسول الله ﷺ، استدعاءٌ بأن يعمل الناس مثل عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، وأراد به مثل ما أراد النبي ﷺ، ولم يرد المَحْمَدَةَ والافتخار، لكان حسناً، وصاحِبُهُ مَأْجُورٌ؛ لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَقْتَدَى بِهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلُ عَمَلِهِ، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر. فحق العامل المجتهد أن يُجْهِدَ نفسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، عز وجل، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، (عز وجل)، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه. فحسب أَهْلِ الخَيْرِ أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فليفعلوه في حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله عز وجل، وتسلم من الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء بالنية لله عز وجل، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان ووساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠]. فإن ابتدأ بغير إِخْلاَصٍ وتمادى حتى فرغ عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ربه. والله عز وجل، حسن العفو كريم. روينا في بعض الأخبار عن النبي ﷺ: "أَنَّ الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، عز وجل، ثم عرض له الشيطان في آخر عمله فَغَيّر نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب له عمله على ما ابتدأه به، وأَنَّ الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له نية لله عز وجل، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما حدث له في آخره. هذا معنى الحديث الذي روينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ وبمثله في المعنى. فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الذي تُحِبُّ أن يأتيك الموت وأنت عليه، فخذه الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مُراءٍ فلست مرائياً، وإذا خرجت من بيتك، وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان. وكان رجل حَسَنُ الصَّوْتِ بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: اقرأ، فقال: يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت صوتي، فيقول: إنما تريد الناس، فقال له الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك. فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، كثير الرصد له بما يُوبِقُهُ. قد أَوْبَقَ كثيراً من القرون السالفة، فَنَفَذَت فيهم سهامه، وصدق عليهم ظنه، فاللَّجَأُ منه إلى الله، عز وجل، والمستغاث على دفع شره الله، تبارك وتعالى. وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (رضي الله عنه)، أَنَّ النبي ﷺ، قال: "الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ". فقال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا أن يُدعى مع الله إله آخر، فقال: "الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ثم قال: "يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذَ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ" قوله: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. أي: يَكِلُونَ أمرهم إلى الله (سبحانه). وَهَذَا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا رُوِيَ في التَّوكُّلِ وَصِفَتِهِ وَفَضْلِهِ. روى ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه روى عمر رضي الله عنه، أنّ النبي ﷺ قال: "لو أنكم تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصاً، وَتَرُوحُ بِطَاناً وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: "من انقطع إلى الله كفاه كُلَّ مُونَتِهِ ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَلَهُ الله إليهاً وروى أبو سعيد الخدري أنَّ النبي ﷺ قال: "لَوْ فَرَّ أَحَدَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لأَدْرَكَهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ وعن أبي ذر مثله. وقد قال الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ: "يقول الله، جلّ ذكره: يَابْنَ آدم تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ صدرك غِنىً، وأَسُدَّ فقرك، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلأَتْ صَدْرَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فُُقْرَكَ وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ كَانَتْ نِيّتَهُ الآخِرَةَ جعل الله غناه في قلبه، وكَفَّ عنه ضَيْعَتَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيا [وهي] رَاغِمَةٌ، ومن كانت نيته الدنيا شتت الله، عز وجل، عليه ضَيْعَتَه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: "مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه في قلبه وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً﴾ [الأنفال: ٢]، يَدُلُّ على نقصٍ كان قبل الزيادة. وعن أبي الدرداء، قال رسول الله ﷺ: "تَفَرَّغُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكْبَر همِّهِ، أقضى الله عليه ضَيْعَةَ، وجعل فقره بين عَيْنَيْه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه، وما أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خَيْرٍ أَسْرَعَ والتوكل على الله، عز وجل عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، (عز وجل)، والمعرفة بأَنَّ قضاءه ماضٍ، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف شيئاً ولا يحذر أمراً، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول لأصحاب نبيه، عليه السلام: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فأمرهم أن يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا بلا زاد، فليس يجوز لأحدٍ أن يلقى عَدُوَّه بغير سلاح ولا عُدّةٍ ويجعل هذا تَوَكُلاً. فقد لَبِسَ النبي ﷺ، السلاح، وقال الله، عز وجل،: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقد دخل النبي ﷺ، وأبو بكر الغار. ودخل مكة وعلى رأسه المِغْفَرُ، وخرج يوم أُحد وعليه درعان. وفرّ أصحاب النبي ﷺ، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك خوفاً على أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك الاحتراز من المَخُوفِ، ولَقْيُ العدو بغير سلاح، ومباشرةُ السباع، لكان رسول الله ﷺ، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفرُّوا، وسلحوا واحترزوا. وقد حكى الله عز وجل، عن موسى، عليه السلام، الخَوْفَ فقال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]، وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، وقال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٦٧-٦٨]. فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله عز وجل، لا يسلطه عليه آثم في نفسه، مُعِينٌ على قتل نفسه، مُجَرِّبٌ لقدرة ربه، جلت عظمته، مُعْجَبٌ بنفسه، دَالٌ على ربه، سبحانه، وليس هذا من صفات الصالحين، بل أنفسهم عندهم أَنْقَصُ وَأَذَلُّ، هم وَجِلُون ألا تقبل منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! قال الله عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أي: يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون ألاَّ يقبل منهم [عملهم]، فهذه صفات الصالحين. ليس صفاتهم الإعجاب بأعمالهم والدالة على الله عز وجل، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله ﷺ يَظَلُّ اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه. وقد روي عَمَّنْ مضى، وعن النبي ﷺ، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يُحْصَى. فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكَوْنِي، ووجود الرُّطَب في غير وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلاَّ للنبي، تدل على صدقه في ما أتى به. فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحدٌ مِنْ أهْلِ السُّنَّة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي غير الأنبياء؛ لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة. * * * وقوله: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. الدَّرجات: منازل ومراتب رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم. قال مجاهد [الدَّرَجَات]: أعمال رفيعة. وقال ابن مُحَيْرِيز الدَّرَجَاتُ: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس الجواد المُضَمَّر ستين سنة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، أي: مغفرة لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: الجنة. قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.