الباحث القرآني

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. * * * قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿فِيۤ أَيْدِيكُمْ﴾، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى. وقيل المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى. وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته. والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: ﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾، أي: إسلاماً، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَّحِيمٌ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة. قال العباس بن عبد المطلب: فيَّ نزلت هذه الآية. وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: فأعطاني الله أربعين عبداً، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل، بها. قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون. وروى ابن وهب أن النبي ﷺ، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب. ونوفل بن الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفاً للعباس. قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي ﷺ: "الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالاً، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي ﷺ: "ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك"، فقال له العباس: مالي مال غيره، فقال له النبي ﷺ: "يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عند أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، الآية. فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيراً مما أخذ مني. فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه. قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عُمير بن وهب إلى صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عُمير: أجل، ما في العيش خير بعدهم، ولولا دَيْنٌ عليّ وعيالي، لرحلت إلى محمد فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي عِلّة أقول: قدمت لتفادوني في أسيرٍ لي، ففرح صفوان بقوله، وقال له: عليّ دَيْنُكَ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسُم وصقل. وقال عمير لصفوان: اكتمني ليالٍ. وأقبل عُمير حتى وصل المدينة، فنزل بباب المسجد، وعَقَلَ راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ﷺ، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عُمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرَّش بيننا وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ﷺ]، وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! فقال ﷺ: أدخله عليّ فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحْتَرزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي ﷺ: فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عُمير من النبي عليه السلام قال: أنْعِمُوا صباحاً، قال النبي ﷺ: قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عُمير؟ قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي ﷺ: [وما شَرَطْتَ لصفوان بن أمية في الحِجْرِ؟ ففزع عُمير، وقال]: وما شرطت له؟ قال: تحمّلت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دَيْنَكَ، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأنّ هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحِجْرِ كما قلت يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به فآمنتُ بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هَدَاه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إليّ منه حين أتى، ولَهُوَ اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له النبي عليه السلام: "اجلس نواسك. وقال [لأصحابه]: عَلِّمُوا أخاكم القرآن. وأطلق له أسيره، فقال له عُمير: يا رسول الله، قد كنت جاهداً ما استطعت في إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأْذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويَسْتَنْقِذَهُم من الهلكة، فأذن له النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان [بها] من حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عُمير، حتى قدم عليه رجل من المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ عُمير. وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبداً، ولا أكلمه بكلمة أبداً، وقدم عليهم عُمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير. ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمسَّ رأسه ذُهْنٌ، ولا يقرب أهله حتى يغزو محمداً ﷺ فغزاه إلى أُحد، فكانت وقعة أُحد بعد بدر بسنة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾. يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، ﴿فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل وقعة بدر، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، يعني ببدر. قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سَرْح كان يكتب الوحي للنبي ﷺ، ثم نافق، وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شِئْتُ فَنَذَر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمّن النبي ﷺ، الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح [ومِقْيَس بن صُبَابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه عثمان بابن أبي سَرْح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائباً نادماً، فأعرض عنه النبي ﷺ، فلما سمع به الأنصاري، أقبل متقلداً سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ، قدم يده فبايعه، فقال: "أما والله لقد تَلُومَنَّكَ فيه لتوفي نذرك"، فقال: يا نبي الله، إني هبتك، فلولا أَوْمَضَتَ إليّ فقال له النبي ﷺ: "إنه لا ينبغي لنبيٍ أن يُومِضَ". * * * ومعنى ﴿خَانُواْ ٱللَّهَ﴾: خانوا أولياءه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.