الباحث القرآني

قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ...﴾، إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: هم المؤمنون الذين بَرُّوا الآباء والأبناء. وقال الحسن: "[هم الذين] لا يؤذون شيئاً حتى الذر". وسأل ابن عباس كعباً عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: "هي السماء السابعة، وفيها أرواحُ المؤمنين". روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صُعِدَ بها ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبُشرى، ثم عَرَجُوا مَعَهَا حتى ينتهوا إلى العرش فيُخْرَحُ لها من عند العرش رَقٌّ [فَيُرْقَم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. وقال قتادة ومجاهد: هي "السماء السابعة". وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. وقال الضحاك: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: "لفي السماء عند الله". وقال قتادة أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: "فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش اليمنى". وعن ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي "الجنة". وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: (قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه (المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة حتى يُنْتَهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأَنَّه يَنتهي إليها كل شيء من أمر الله، [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لفي السماء عند الله وهو قول الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. وإنما أعرب ﴿عِلِّيُّونَ﴾ بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبَهَ "عشرين". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. والتقدير عند الطبري: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: في عُلُوٍّ وارتفاعٍ، في سَمَاء فوق سماء، وعلوٍ فوق علوٍ إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. * * * - وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يُعَجِّبُ نبيه ﷺ من عليين، ثم بينه فقال: * * * - ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. * * * - وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: يشهدُ ذلِكَ الكتابَ المكتوبَ] بأمان الله للبَرِّ من عباده من النار والفوز بالجنة المقربونَ من ملائكة كل سماء. قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. * * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. [أي]: يتمتعون في الجنان ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾. أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. رَوَى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "(على الأرائك متكئون) [يَنْظُرُونَ] إلى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّارِ قال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾: "من اللؤلؤ والياقوت ". * * * - ثم قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾. أي: حسن النعيم وبريقه. * * * - ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾. أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] قاله ابن مسعود. وقال أهل اللغة: الرحيق [صَفْوُ] الخمر. وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. * * * - ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال علقمة: "طعمه وريحه مسك". وقال ابن عباس: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر شرابهم مسك. قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مُقَدَّمَ) شرابهم، وكان آخر شيء جعل فيه مِسْكاً ختامه بالمسك. وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. قال الضحاك: "طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك". وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طِيبَهَا؟ وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ شرابهم) جارٍ جَرْيَ المياه في الانهار ولم يكن مُعَتَّقاً في الدنان فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والخِتام: مصدر "خَتَمَ يَخْتِمُ خَتْمَاً وخِتَاماً"، "والخَاتَمْ" الاسم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. والمعنى: وفي ذلك فَلْيَجِدَّ في طلبه المُجِدُّونَ، ولتحرص عليه نفوسهم. * * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾. أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عُلُوٍّ ينزل عليهم. تَسْنِيمٌ: تفعيل، من قول القائل: سَنَمْتُهُمُ العينَ تسنيماً، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمتُ الماء أسنمه تسنيماً، إذا أخرجته من موضع عال. وقبرٌ مُسَنَّمٌ، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وَهُوَ اسْمٌ لمذكر وهو الماء. ولذلك انصرف. وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. وقال الضحاك: "هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب". وعنه أنه قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. فأما انتصاب "عين"، ففيه أقوال: قال الأخفش: هي منصوبة [بِـ "يسقون"] عيناً، (أي): ماء [عين]. وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت "تسنيماً [نصبت] عيناً، يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقيل: نصبه على الحال، لأن "تَسْنِيماً" اسْمٌ لِلْمَاءِ، مَعْرِفَةٌ. و "عين": نكرة. ومعنى "عَيْن": جار، كأنه قال: من الماء العالي جارياً، فهي في موضع الحال.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب