الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ إلى آخرها. أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. قال الضحاك: البروج "[يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب". قال مجاهد: "البروج: النجوم". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجاً - يسير القمر في كل برج (منها يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثاً، وتسير الشمس في كل برج) [شهراً]. وجواب القسم محذوف. وقيل: الجواب ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب الأخدود. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهو قول قتادة. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ﴾ يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي ﷺ وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال أبو هريرة: "الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد محمد ﷺ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] والمشهود": يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضاً. وقال مجاهد: "الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة". فالإنسان لا بد أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضاً و (عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضاً. رواه عنه مجاهد "أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ (قال): "أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة". وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد ﷺ. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثَمِلَ]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه في كتاب! فرجع إلى أخته نادماً فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: خُدَّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يُقِرُّوا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. * * * وقوله: ﴿ٱلنَّارِ﴾ خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. وفيه تقديران إذا جعلته بدلاً. أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أَخْذاً، ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [ناراً]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. قال: [فأججوا] ناراً، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضناً بدينهم حتى بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدُّواً أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. وروى صهيب أن النبي ﷺ قال: إنه كان في من كان قبلكم ملكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى الساحر الملك فقال: قد كبرت سنّي ودنا أجلي، فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر. فدفع إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: ارجع عن دينك. فأبى الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، وقال له : ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم أصلُبْنِي، ثم خذ سهماً من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهماً من كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار فنكصت. قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امضِ، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جباراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. * * * وقوله: ﴿ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾. أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود" الحفرة تحفر في الأرض. * * * وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود الذي فيه النار. وقال قتادة: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. يعني بذلك المؤمنين. * * * ثم قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه في النار. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾. أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده بإحسانه إليهم. * * * ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: سلطان ذلك كله. * * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾. أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. هذا قول الربيع بن أنس. قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. وكذلك قال أبو العالية. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. ثم قال تعالى: * * * ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾. أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء والخمر، واللبن والعسل. ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ﴾ [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل بأصحاب الأخدود. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾. أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾. أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. ﴿ٱلْوَدُودُ﴾ أي: ذو المحبة. وعن ابن عباس أنه قال: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الحبيب". وقال ابن زيد: ﴿ٱلْوَدُودُ﴾: "الرحيم". * * * ثم قال تعالى: ﴿ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ﴾. وقال ابن عباس: ﴿ٱلْمَجِيدُ﴾: "الكريم". * * * ثم قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. * * * ثم قال تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. ثم بين الجنود من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم عليها. * * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن يغير، في لوح. قال ابن جبير: مجيد "كريم" وقاله قتادة. قال مجاهد: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قال: "في أم الكتاب". ومن رفع ﴿مَّحْفُوظٍ﴾، جعله نعتاً للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. وقال قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ "عند الله". وقال أنس بن مالك: "إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل". وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب مجيد. قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يُحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.